نخبة من الأكاديميين
382
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
اندهاش المثقف الفقيه ( وإن لم يكن فقيها بالمعنى الأصولي ) " بانقلاب الموضوع " و " انعكاس المطبوع " بالمقارنة الضمنية مع ثوابت الذاكرة الفردية والجماعية . هل يفسّر هذا التجاذب الملتبس في زمنه الاجتماعي والثقافي ، انقسام المثقفين المعاصرين اليوم في قراءة نص الجبرتي وفي قراءة حدث الحملة الفرنسية وفي صياغة موقف منها اليوم ؟ الواقع أن حيثيات كثيرة أخرى تتداخل في تفسير هذا الانقسام اليوم . ومع هذا تبقى حيثيات الجبرتي وباعتباره أهم نص ثقافي محلي حامل لأخبار الحملة الفرنسية ودلالاتها ، تبقى مرجعاً لإعادة القراءة والتقويم . إن حقل الدلالة في نص الجبرتي ( الواحد ) أضحى حقل تأويل لنصوص معاصرة مشبعة بالايدولوجيا السياسية المفتعلة ومنطلقا لصياغة مواقف سياسية معاصرة متناقضة . وما شهدناه في عام 1998 من انقسام في الساحة الثقافية المصرية حول الموقف من الاحتفالات بالمئوية الثانية لحملة نابليون ، قد يعبّر في جزء كبير منه عن عملية تأويل " للنص " أُنتج خارج " حيثيات " هذا التأويل الراهن . انقسم المثقفون العرب إلى معسكرين في النظر إلى الحملة الفرنسية ثقافياً وسياسياً : المعسكر الأول كان مع الاحتفال عام 1998 بالمئوية الثانية للحملة الفرنسية باعتبارها منبها وبداية " لنهضة عربية " . ولعل أفضل من عبّر عن مرجعية هذا " التأويل " ، لويس عوض في ما كتبه عن وعي الجبرتي " لرقي الحضارة الجديدة " التي اكتشفها من خلال الحملة وعن اندراج هذا الوعي في " طليعة وطنية مصرية مثقفة " « 1 » . والمعسكر الثاني : كان ضد الاحتفال باعتبار الحملة حملة استعمارية ، هدفت إلى احتلال مصر لا إلى إنهاضها . ولأن المجتمع المصري قاوم هذا الاحتلال . ونص الجبرتي ، خاصة في " مظهر التقديس بذهاب دولة الفرنسيين " هو حالة معبرة عن حالة " المقاومة " الوطنية ، القومية أو الإسلامية « 2 » . ووفقاً لهذا التأويل الثنائي يختزل الموقف ب - " مع " أو " ضد " . إنها بداية " نهضة " عند البعض ، أو " مقاومة " مستمرة " للاستعمار " عند البعض الآخر . إنها هذا " خالصا " أو ذاك " خالصا " ، لا مجال لدرس ، أو معرفة ، لإعادة بناءٍ لتاريخ ذي أبعاد مركبة وكما عاشه الجبرتي نفسه في زمنه . الذاكرة النخبوية العربية تختزل " النهضة " بموقف ثقافي مراهن على عملية التثاقف الأحادية ( من جانب واحد ) ، أو تختزل الموقف من الصليبية ، و " الاستعمار " و " الإمبريالية " في ذاكرة واحدة بموقف نضالي أو جهادي ضد الغرب الاستعماري عموماً . ويبدو أنه في الحالتين يمتص الموقفين صراعٌ سياسي - إيديولوجي يومي قصير النفس والحسابات والتكتيكات . فتبدو رؤيتنا للتاريخ رؤية مبتسرة ، رؤية إسقاطية لما نرغب به ونريده أو لما نكرهه ونسخط عليه . . إنه نعمة أو نقمة ، فتح أو احتلال تحرر أو استعمار ، كفر أو إيمان كما سبق وأشرنا في مقدمة المقالة . على أن ثمة رؤية استشراقية وانتروبولوجية حيادية حاولت أن تخرج من أسر هذه الثنائية ، فنظر
--> ( 1 ) . راجع نقداً لهذه الرؤية في : وضاح شرارة ، المسألة التاريخية ، بيروت ، معهد الإنماء العربي 1977 . ( 2 ) . راجع مثالًا على هذه القراءة : عاطف مظهر ، مراجعة لكتاب " مظهر التقديس بذهاب دولة الفرنسيين " ، الحياة 23 تموز ( يوليو ) 1998 .