نخبة من الأكاديميين

372

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

لدراسة التجمعات الإثنية ( groupements ethnique ) المهيأة لتشكيل الإستقلالات الإقليمية الأولى « 1 » Autonomies regionales وهذه الإستقلالات هي في رأي المحلل الفرنسي البديل لحالة التعارض التي يشير إليها بين الدولة والأمة في التاريخ الإسلامي . وقد خضعت الجغرافية السياسية لبلاد الشام لهذا المنطق الفرنسي الذي أمعن في عملية التفتيت للوحدات الجغرافية ، التاريخية من الأعلى إلى الأدنى ومن الكبير إلى الأصغر فالأصغر ( . . ) . وتبرز في خضم التنافس بين الرؤيتين الفرنسية والبريطانية لقطف ثمار الحرب العالمية الأولى ، رؤية ويلسون الأميركية القائلة : " بحق الشعوب في تقرير مصيرها " . وهذه السياسة استهدفت بالدرجة الأولى إحراج القوتين الإستعماريتين التقليديتين في الشرق ، بعد أن كانت الولايات المتحدة الأميركية قد اعتزلت السياسات الأوروبية فترة طويلة من الزمن عملًا بمبدأ مونرو الشهير الذي قضى بمقايضة عدم التدخل الأوروبي في شؤون القارة الأميركية ، بعدم التدخل الأمريكي بشأن المستعمرات الأوروبية في بقية أنحاء العالم . إلا أنه مع الدور الذي لعبته الولايات المتحدة في ترجيح كفة الحرب الأوروبية ونمو رأس مالها في كلّ مكان ، بدأت الولايات المتحدة تبحث عن صيغتها الإستعمارية الخاصة عبر سياسة الباب المفتوح ومعارضة السياسة الحصرية في المستعمرات والملحقات والمحميات . وقد خدمت مبادئ ويلسون وشعار حق الشعوب في تقرير مصيرها هذه السياسة من خلال تحريك شعوب وقوميات ومجموعات إثنية وطائفية للمطالبة بإدارات ودول خاصة بها في مؤتمر الصلح الذي انعقد في باريس . إن برامج الوفود التي أمَّت هذا المؤتمر كانت تعبر فعلًا عن حالة انفجار للجغرافية السياسية في العالم الإسلامي ، بحيث بدت أنها " موزاييك " طوائف وأديان وقوميات في ظلّ التنافس الاستعماري على استخدامها وتوظيفها وتعليلها بالوعود والأحلام « 2 » . وقد تنبّه آنذاك وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية " روبرت لانسنغ " . الذي كان يعارض سياسة ويلسون في هذه المسألة ، فكتب في مذكراته في 20 من شهر ديسمبر ( كانون الأول ) 1918 م متسائلًا : " عندما تحدث ويلسون عن حق الشعوب في تقرير مصيرها ، نحو أي نوع من أنواع الوحدة اتجه تفكيره ؟ هل قصد وحدة العرق ( race ) ؟ أو وحدة مساحة إقليمية ( Territorial ) ؟ أو قصد طائفة أو جماعة . فإذا لم يستوعب المقصود من هذه الوحدة ، فإن تطبيق هذا المبدأ يصبح خطراً على السلام وعلى الاستقرار " « 3 » . ويضيف في مذكراته معلقاً على نتائج إعلان ويلسون : " وبعد عشرة أيام ، أي في 30 من شهر ( كانون الأول ) " ديسمبر " ، تكررت هذه الصيغة بكثرة في الصحافة وعلى لسان أعضاء بعض المجموعات والوفود غير الرسمية التي جاءت لتُسمع صوتها في المؤتمر ، ما جعلني أكتب من جديد في هذا الموضوع :

--> ( 1 ) . أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية Serie Turquie , folio 112 ( 2 ) . ورد النص في : أمين سعيد ، أسرار الثورة العربية الكبرى ، ص 309 - 330 . ( 3 ) . أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية ، Serie : Syrie - Liban , folio 29 raport 30 mai , 1920 .