نخبة من الأكاديميين
373
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
كلما فكرت في إعلان الرئيس زدت اقتناعاً بالخطر الذي يمكن أن تضعه مثل تلك الأفكار في رأس بعض الأعراق . إذ سينتج عن ذلك مطالب يستحيل تحقيقها بواسطة المؤتمر واضطرابات في عدد من البلدان " . ولا يبدي وزير الخارجية تخوفه صراحة من مطالب مجموعات صغيرة فحسب ، بل يتساءل عن احتمال تحرك اسلامي اعتماداً على مبدأ ويلسون . يتساءل : ألن يعتمد ( على مبدأ ويلسون ) محمديو سوريا وفلسطين ، ولربما معهم مسلمو المغرب وليبيا في مطالبتهم ؟ وكيف يمكن أن يتوافق المبدأ مع الصهيونية التي يناصرها الرئيس عمليّاً ؟ " « 1 » . إن مثل هذه الاعتراضات على مبدأ ويلسون الذي داعب بدوره أماني العرب وأنعش أحلام الحركة العربية المشرقية آنذاك من خلال استفتاء لجنة كينغ - كرين الشهيرة التي استفتت سكان بلاد الشام في طبيعة الدولة التي يريدونها وحدودها الجغرافية ، ( إن مثل هذه الاعتراضات ) وإن صيغت من موقع أمريكي معادٍ لحق الشعوب في تقرير مصيرها تفضح مدى التناقض بين المبدأ والتطبيق ، حيث أن ويلسون لم يدعم فعلياً من بين الحركات المطلبية إلا حق " اليهود في احتلال فلسطين " . وهكذا تكاملت عمليّاً سياسات الدول الكبرى آنذاك في تفكيك مفاصل الجغرافية السياسية العربية من العالم الإسلامي بين الإمعان الفرنسي في التجزيء الطائفي ، وبين الدبلوماسية البريطانية في الإحتواء السياسي لحركات النخب والزعماء ، وبين التمويه الذي مارسه مبدأ ويلسون تجاه حركات الشعوب والأقوام . وكل هذا سيتأطر في نواة نظام دولي جديد دشّنتْهُ عصبة الأمم ، ونمت في داخله ومن خلاله دول قطرية عربية وإسلامية ، لن تلبث أن كوّنت لكل منها جغرافيتها السياسية والبشرية والاقتصادية ، بل حتى أن بعضها نحا لأن يكون لكلٍّ منها تاريخ وطني وقومي خاص . وستتكوّن عبر هذا التكوّن الجغرافي السياسي لكلِّ دولة مشاكل كثيرة حول الحدود الإقليمية ، وتوزع الثروات المائية والنفطية بين الدول ، كما ستبرز على موازاة هذا التكوّن أو كنتيجة له ، مشاكل القوميات والطوائف داخل الدولة الواحدة بسبب اختلاف مواقعها وتفاوت أهمية دورها في جهاز السلطة وتوزع الثروة . « 2 » . ومهما يكن فلا بد من كلمة نسوقها كخلاصة واستنتاج : إذا كانت الجغرافية السياسية لعصر السلطنات الإسلامية لم تعد ممكنة التحقق في عصر الأبنية والهياكل الإقليمية والقطرية والقومية ، فإننا على الأقل ينبغي أن نستلهم من وحدتها الاقتصادية وتكامل طرق مواصلاتها ، وتداخل أسواقها الكبرى عبرة ودرساً لما يمكن أن يكون عليه ازدهار العالم الإسلامي في حالة إعادة اللحمة أو التواصل إلى جغرافيته الاقتصادية ، وتجاوز الحدود التي رسمتها المعاهدات والتوازنات الدولية إثر حركة الاستعمار وتقسيمات الحروب العالمية والإقليمية . على أن الصراع ما بين السلطنات المتنافسة على السيطرة على العالم الإسلامي باسم الدين أو أحقية تمثيله
--> ( 1 ) . راجع توسيعاً لهذه النقطة في : وجيه كوثراني ، الاتجاهات الاجتماعية والسياسية في جبل لبن - ان والمشرق العرب - ي ، ط 1 ( 1976 ) ، ط 4 ( 1986 ) ص 273 - 274 . ( 2 ) . Lansing R . Memoires , 67 - 82 . وردت أيضاً في : وجيه كوثراني ، الاتجاهات الاجتماعية السياسية ( مرجع سابق ) ص 274 .