نخبة من الأكاديميين
366
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
العالم الإسلامي خلال كلِّ هذه الفترة اللاحقة ساحة تقاتل بين قوّتيه الأساسيتين . وكان التقاتل بينهما ، وفي جزء كبير منه ، محاولة للخروج من أزمة الإقتصاد المتوسطي عبر السيطرة على الممرات والمرافيء المؤديّة إلى أوروبا التي تكدِّس في مدنها ذهب وفضة العالم الأمريكي الجديد . " ولما استُنزِفت القوتان كان اقتصادهما على درجة من الضعف والجمود والتراجع أمام زحف السلعة الغربية ، حتى أنه لم يعد الوضع الذي بدأت تبرز مفارقته بين الشرق والغرب على مستوى تنظيم العمل وإنتاجيته وحركة الأسعار وتحديد رسوم الجمارك وحماية كل ذلك يحتمل أي تطوير قادر على المنافسة . . . وكل هذا كان يؤسس لتكوين العلاقات اللامتكافئة بين الغرب والشرق الإسلامي ، أي بين المركز الذي أدّت إليه الإنطلاقة التجارية والثورة الصناعية ( لاحقاً ) وبين الأطراف التي أدّت إليها سياسات الحروب الداخلية والإستتباع والارتهان للإمتيازات الأجنبية ومعاهدات الإستقواء بالخارج . " « 1 » . الجغرافية السياسية للعالم الإسلامي أضحت أطرافاً وهكذا ، بدأت مع نهاية القرن الثامن عشر مرحلة جديدة في مسار العلاقة بين الشرق الإسلامي ودول أوروبا التوسعية ، أصبحت معها الجغرافية السياسية للعالم الإسلامي " أطرافاً " لمراكز تجارية عالمية كبرى تحميها دول تتعاظم قدراتها العسكرية وأساطيلها للسيطرة عليها سيطرة مباشرة . ومع هذه المرحلة بدأت حركة الاستعمار المباشر تأخذ طريقها إلى التنفيذ في جغرافية العالم " غير الصناعي " ، ومنها جغرافية العالم الإسلامي الذي ورث حروب الإقتسام بين صفويين وعثمانيين وسياسات التودد والإستقواء بالدول الأوروبية الباحثة عن حصصها في هذا العالم . وكان شريط الأحداث خلال القرن التاسع عشر وحتى مطلع القرن العشرين ، يرسم الصورة التالية لجغرافية القضم والإلحاق في العالم الإسلامي . فقد تعرضت مناطق العالم الإسلامي « 2 » ، وفي وقت متواز أو متلاحق لغزو الأوروبيين . فأصبحت شركة الهند الشرقية ( الإنكليزية ) حكومة فعلية في البنغال وامتدت تدريجياً إلى باقي شبه الجزيرة الهندية ، حيث حلّت سلطتها مكان سلطة إمبراطور دلهي المغولي . وأما الحكومة الهولندية فقد استعادت ممتلكات وحقوق الشركة الهولندية للهند الشرقية عام 1800 وسيطرت على جاوه منذ الثلث الأول للقرن التاسع عشر . وفي عام 1830 ، غزت فرنسا الجزائر ، وبعد عشرين عاماً من الحروب أتمت سيطرتها فيها وفتحت الباب واسعاً أمام الاستعمار الأوروبي . وخلال الحقبة نفسها أخضعت روسيا الأراضي الإسلامية القديمة من القوقاز وآسيا الوسطى مشجعة على توطين جماعات كبيرة من السكان غير المسلمين . وبين عام 1865 و 1873 م ، وضعت روسيا القيصرية نهاية لاستقلال إمارة خوقند في آسيا الوسطى وأقامت حمايتها على إمارتين أخريين هما : أزبكستان وبخارى .
--> ( 1 ) . وجيه كوثراني ، الفقيه والسلطان ، ( مرجع سابق ) ص 61 - 62 . ( 2 ) . اعتمدنا في هذه اللائحة من المعلومات حول قضم أطراف من العالم الإسلامي على : أطلس التاريخ الإسلامي ، صنّفه هاري وهانارد ، النسخة العربية ، مكتبة النهضة المصرية ص 30 - 31 .