نخبة من الأكاديميين
363
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
( العثمانية والصفوية ) والمهدّدة من طرف قوى الخارج ( دول أوروبا التوسعية ) . وكان السلطان سليم العثماني يرى استراتيجياً أن وقف المد الصفوي باتجاه الأناضول وباتجاه المنطقة العربية التي يسيطر عليها المماليك ( المشرق العربي ) يقضي إزاحة " القوة العاجزة " فيها وتكوين حزام عثماني في المنطقة العربية التي تعزل إيران عن المتوسط ، وتضع القوة العثمانية في حالة تماس مع الصفويين في الخليج . لقد أقنعته تجربة احتلال تبريز أن الذهاب إلى العمق الإيراني غير مفيد وخطر ، والأجدى تكوين قوة إسلامية ( في الدائرتين التركية والعربية ) في المواجهة مع الصفويين . وكان أن تحقق ذلك بالفعل مع القضاء على المماليك في المشرق في مطلع القرن السادس عشر ، واستتباع الجزائر وتونس وليبيا إلى السيادة العثمانية عبر نظام الولايات والإقطاع العسكري والأسر الحاكمة المحلية . وبقي طرفان في البلاد العربية يتمتعان بنوع من الاستقلالية النسبية عن السيادة العثمانية : المغرب الأقصى تحت حكم الأسرة السعدية ثم العلوية واليمن في ظل الإمامة الزيدية « 1 » . لقد أدت هذه السياسة العثمانية إلى عدد من النتائج المهمة في الجغرافية السياسية للعالم الإسلامي ، نشير إلى بعضها : - لقد أدت خلال قرنين الأولين من توسع الدولة العثثمانية غرباً ( 14 و 15 م ) ، إلى أسلمة قطاع من الجغرافية البشرية المسيحية ( اليونانية والبلقانية ) ، وذلك بفضل سياسة الإستيعاب والإحتواء وتشجيع استثمار الأرض عن طريق نظام الإقطاع العسكري والقوى المحلية « 2 » . - ومع سياسة سليم وسليمان في النصف الأول من القرن السادس عشر تجاه البلاد العربية ، تحقق نوع من وحدة سياسية وإدارية واقتصادية لقسم كبير من العالم الإسلامي عبر دائرتيه التركية والعربية . - ومع تطبيق نظام الولايات والسناجق والأقضية بدءاً من تنظيمات سليمان في البلاد العربية ، تحقق نوع من التوليف بين مصادر ثلاثة في الهياكل الإدارية والسياسية التي سادت حتى مرحلة التنظيمات الحديثة في أواسط القرن التاسع عشر ، بل حتى انهيار هذه الهياكل في الحرب العالمية الأولى واستبدالها بهياكل نظام إقليمي وقومي كان جزءاً من نظام دولي جديد . هذه المصادر هي : أولًا : الشريعة الإسلامية وفقاً لاجتهادات علماء الحنفية العثمانيين . ثانياً : الأعراف المحلية والحضارية المختلفة والتي كانت تصدر بموجب قوانين نامه التي يصدرها السلطان . ثالثاً : التأثيرات الفارسية في صياغة مفهوم الحكم الإلهي وصلاحية السلطان المطلقة « 3 » . وأما على صعيد الجغرافيا السياسية للمنطقة العربية فكادت الصيغة العثمانية تكون استعادة لصيغة الأمصار والأجناد ( النظام العربي القديم ) معدّلًا بصيغة الولايات والسناجق المرسومة حول " حاضرة " هي في غالب الأحيان مدينة تجارية كبرى ومحطة لتقاطع مواصلات وقوافل كما كانت في العهود الأولى . هذا على صعيد النتائج الخاصة بمنطقتين من العالم الإسلامي : التركية والعربية . فماذا على صعيد
--> ( 1 ) . حول نظام الإقطاع العثماني الذي يقوم على الإستتباع ووسائط السلطة المحلية ، راجع : وجيه كوثراني ، السلطة والمجتمع والعمل السياسي ، من تاريخ الولاية العثمانية في بلاد الشام ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 1986 ، ص 52 - 66 ألبرت حوراني ، الإصلاح العثماني والمشرق العربي ، مجلة الواقع ( فبراير 1982 ) عدد 4 ، ص 67 - 68 . ( 2 ) . رأى البعض أن السياسة العثمانية في تلك المرحلة اتسمت بشيء من " التسامح " و " الجاذبية " بالمقارنة مع نظام النبلاء في المجتمعات لأوروبية المتاخمة ، يكتب برنار لويس اعتماداً على ملاحظة مارتن لوثر ، المصلح الديني في ذاك العصر ، ما يلي : " كانت الأمبراطورية العثمانية ، بالإضافة إلى كونها عدواً خطراً ، ذات سحر قوي ، فقد كان المستاؤون والطموحون ينجذبون أليها بالفرص التي تتاح لهم في ظل التسامح العثماني ، وكان الفلاحون المسحوقون يتطلعون بأمل إلى أعداء أسيادهم . وحتى مارتن لوثر في مؤلفه المسمى ( النصح بالصلاة ضد الأتراك الذي نشر عام 1541 ، قد حذّر بأن الفقراء المضطهدين على يد الأمراء وأصحاب الأملاك ، يفضلون على الأرجح العيش في ظل الأتراك بدلًا من المسيحيين أمثال هؤلاء . صحيح أن فرسان أوروبا قد حاربوا بشجاعة ضد الأتراك ، لكن فلاحيهم لم يكونوا يعتمون بانتصاراتهم " أنظر : برنارلويس " السياسة والحرب " في تراث الإسلام ، ترجمة زهير السمهوري ، عالم المعرفة ، الكويت ، آب ( أغسطس ) 1978 ، ص 288 - 289 . ( 3 ) . حول التوليف بين المصادر الثلاثة في نظام الحكم العثماني ( قبل التنظيمات ) راجع / وجيه كوثراني ، الفقيه والسلطان ، ص 64 - 65 .