نخبة من الأكاديميين

364

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

التعامل مع الظاهرة الصفوية من ناحية الشرق ؟ والظاهرة التوسعية الأوروبية من ناحية البحر الأحمر والخليج ؟ بعد الاحتلال العثماني للعراق ، أنزل العثمانيون أسطولًا في المحيط الهندي وفي البحر الأحمر بهدف انتزاع الخليج وشواطىء البحر الأحمر من السيطرة البرتغالية . وكانت النتيجة أن استطاع الأسطول العثماني بين ( 1542 و 1554 م ) أن يصفيَ المواقع البرتغالية على طول امتداد شواطيء البحر الأحمر " بوابة مصر نحو البحار الجنوبية الشرقية " . غير أنه لم ينجح في جبهة الخليج . إذ انتهت الحرب البحرية بين الطرفين بانتصار البرتغاليين في الغرب من مضيق هرمز ، الأمر الذي أدّى إلى قفل الخليج في وجه الملاحة العثمانية ، والملاحة الإسلامية عامة . ومهما قيل في الأسباب التي أدّت إلى عجز العثمانيين عن إزاحة البرتغاليين عن الخليج كسبب البعد الجغرافي ، والفاصل الصحراوي ، والتركيب القبلي لسكان الجزيرة وجنوبي العراق ، فإن أسباباً من طبيعة أخرى ينبغي على المؤرخ أن يتنبه إليها ، لأنها تندرج في طبيعة المرحلة التاريخية " العالمية " التي تزامنت معها ظروف الاجتماع السياسي الإسلامي المستجد في بروز قوَّتيه الأساسيتين : العثمانية والصفوية . صحيح أن العثمانيين استطاعوا اختراق أوروبا الشرقية من ناحية الغرب وإثبات وجودهم في البحر المتوسط ، وطرد البرتغاليين من البحر الأحمر ، لكن هزيمتهم في الخليج أمام البرتغاليين كانت مؤشراً لحدث ذي دلالات أكبر من حجمه كهزيمة عسكرية فحسب . إن البرتغاليين بتفوقهم في استخدام الآلة العسكرية ( السفينة الحربية والبارود ) ، وفي منطقة استراتيجية تربط ما بين قارات ثلاث : ( آسيا ، وإفريقيا ، وأوروبا ) . كانوا يدشنون استراتيجية السيطرة على العالم في العصر الحديث ، عبر السيطرة على الممرات في محيطاته الكبرى . وصحيح أن أوروبا التوسعية لم تكن واحدة أو موحدة في هذه الإستراتيجية ( بل كانت صراعات ممالكها ودولها على أشدها في محاولات السيطرة هذه ) إلا أن " الديناميكية " الأوروبية كانت هجومية وعنيفة تجاه " الخارج " الأمر الذي جعل من الصراع الأوروبي الأوروبي حالة صراع من أجل السيطرة نفسها ، ولا فرق في هذه السيطرة بين برتغاليين وهولنديين وفرنسيين ولاحقاً روس وألمان وطليان وأمريكان إلّا في مدى تطوير الآلة العسكرية و " تحسين " درجة استخدام آلية العنف في عملية المنافسة والسيطرة معاً « 1 » . كانت حركة الاستعمار إذاً تنمو على قاعدة الأقوى " عالمياً " . والعالمية آنذاك كانت تعني السيطرة على المحيطات وممراتها إلى القارات والأسواق المهمة . بينما انحصرت حركة الاجتماع السياسي الإسلامي الصراعية ( بين صفويين وعثمانيين ) في محاولات السيطرة على دار الإسلام من جهة والوصول إلى الممرات المائية للتواصل مع أوروبا الناهضة أنذاك . كانت ممرات " دار الإسلام " إذا استثنينا البحر الأحمر ، قد أُقفلت ، ولم يعد الإقتصاد المتوسطي ،

--> ( 1 ) . حول العقلية الدينامية التي اتسمت بها المغامرة البرتغالية والمغامرات الأوروبية الأخرى في مرحلة التوسّع الأوروبي في العالم ، ولا سيما في العالم الإسلامي ، راجع : عبد المجيد قدوري ، المغرب وأروبا ، ( مرجع سابق ) ، ص 79 - 114 .