نخبة من الأكاديميين
35
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
المرحلة ، ما لبث أن قام بخطوة رائدة في هذا السبيل ، معبِّراً عن ذلك في حملته الشهيرة بعد نحو قرن ونصف ، والتي أطاحت الدولة الأخمينية ( 331 ق . م ) ، وأمعنت في اختراقها الشرقي حتى الهند . ولكن مشروع القائد المقدوني ، على ما انطوى عليه من عناصر النجاح ، لا سيما الحشد العلمي الذي رافق الحملة العسكرية ، انتهى أخيراً إلى الفشل ، متأثراً بالوفاة المفاجئة للقائد الشاب ، على الرغم من أن بعض ملامح هذا المشروع ، رسخت في ثقافة المنطقة وذاكرتها . لكن خلفاء الإسكندر ، المتنازعون لم يستطيعوا ، الحفاظ على تراثه ، بما جسّده ، وفاقاً لرأي المؤرخ « لطفي عبد الوهاب يحيى » ، من « لقاء بين حضارة الشرق ، ممثلة بمصر وفي بقية المناطق التي كانت في العقود الأخيرة من القرن الرابع ق . م ، تشكّل ولايات الإمبراطورية الفارسية من جانب ، وحضارة الغرب ممثلة ببلاد اليونان أساساً من جانب آخر » « 1 » . كما لم يستطيعوا الوقوف في وجه إرادة الفرس ، في إعادة إنتاج دولتهم موّحدةً ، بزعامة أسرة جديدة ( الاشكانية ) في عام ( 247 ق . م ) ، رغم أن هذه الوحدة افتقدت إلى التماسك ، مع بروز عدد من حكام الأقاليم ، ممن أسماهم الطبري ب - « ملوك الطوائف » « 2 » ، الذين توزّعوا السيادة على الدولة في ما بينهم ، ونشروا الفوضى في مجالها ، على حساب تراجع السلطة المركزية . ولم يأتِ القرن الثالث الميلادي حتى كانت سيادة الإشكانيين تبلغ حدّها الأقصى من الانهيار ، وكان لا بدّ أن يفسح هؤلاء المجال لأسرة جديدة ، أخذت على عاتقها استرجاع وحدة الدولة ، وهي الأسرة الساسانية ( نسبة إلى ساسان سادن بيت النار في إصطخر « 3 » ) ، وذلك ابتداءً من حفيده « أردشير » « 4 » الذي يُعتبر المؤسس الفعلي للدولة الفارسية الثالثة . وقد عاصرت الأخيرة الإمبراطورية الرومانية ، التي ورثت نفوذ البطالمة والسلوقيين ، خلفاء الإسكندر في الشرق ، وحققت من السيادة ما لم يسبق لدولة بلوغها من قبل ، حيث آل البحر المتوسط بحيرة رومانية خاضعة بالمطلق لها ، كما ورثت هذه الإمبراطورية بداهةً الصراع من أسلافها الإغريق ، مع القوة الشرقية ، الممثَّلة دائماً بالفرس ، لا سيما وأن الرومان كانت لهم طموحاتهم البعيدة ، لبسط سيادتهم على العالم القديم ، موجّهين أنظارهم خصوصاً إلى شبه جزيرة العرب والبحار الشرقية ، مصدر السلع المهمة في حياتهم الدينية والاقتصادية . كان تغلغل النفوذ الروماني في المنطقة ، قد بدأ بعيد السيطرة على سورية بقيادة الإمبراطور يومبي ( 64 ق . م ) « 5 » ، مستهدفاً إمارة الأنباط ( في أعالي شبه الجزيرة ) التي فقدت حينذاك ، استقلالها ، وتحوّلت إلى شبه ولاية رومانية ، قبل أن يتمّ القضاء عليها بعد نحو خمسين عاماً على يد الإمبراطور تراجمان . وإذ فشل الرومان كما سيظهر لنا في أن يخترقوا من الباب النبطي ، شبه جزيرة العرب ، فقد ركّزوا اهتمامهم بعد ذلك على جبهة الفرس ، في محاولة للتحكم بالطريق الحيوية لتجارة الشرق الأقصى ، لا سيما السلع النفيسة ، وفي مقدمتها الحرير ، متخذين من « تدمر » ، الإمارة العربية الصاعدة في بادية الشام ، مركزاً لتسهيل مهمتهم على هذه الجبهة الصعبة . وفي سبيل ذلك ، لم يتصد الرومان لطموح « أذينة » ( أمير تدمر ) الاستقلالي ، خصوصاً بعد انضمامه إليهم في الحرب التي جرت بين سابور ملك الفرس ، وبين فالريان إمبراطور الرومان ( 258 م ) . ولكن أذينة الذي استغل هزيمة الرومان في هذه
--> ( 1 ) دراسات في العصر الهلنسني ص . 8 . ( 2 ) تاريخ البرسل والمملوك ج . 1 ص . 581 . ( 3 ) كريستنسن ، إيران في عهد الساسانبين ص . 74 73 . ( 4 ) أردشير بن بابك بن ساسان ، الطبري ج . 1 ص . 582 . ( 5 ) جواد علي ، المفّصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج . 2 ص 38 .