نخبة من الأكاديميين

36

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

الحرب سعى إلى توسيع نفوذه ، فعبر الفرات إلى الجزيرة ( الفراتية ) ، مبدياً التودّد في الوقت عينه إلى الفرس . إلا أن هؤلاء ، وقد رأوا في تحركه تهديداً لعاصمتهم ( طيسفون ) ، أبدوا حذراً شديداً نحو سياسته التوسعية . واجدين فيها ما يخدم مصالح أعدائهم ، لا سيما بعد مكافأة الرومان له ، بمنحه لقب « قائد جيوش الشرق » ، وتشجيعه على احتلال الرُها ونصيبين « 1 » ، تعزيزاً على الأقل مرحلياً لدوره في ذلك الحين . ولعل أذينة ، وكان يدرك خطورة المغامرة التي ركبها ، توخى الإفادة من الصراع بين الدولتين الكبيرتين ، محاولًا تحييد نفسه عنه ، وشغل دور توازني يرى فيه الطرفان حاجة لهما ، لا سيما الدور الاقتصادي الذي كان باستطاعة تدمر تبوأه بجدارة حينذاك ، كمحطة حيوية للمواصلات التجارية بين الشرق والغرب « 2 » . ولكن طموحه الكبير سرعان ما قضى عليه ، بعد سقوطه غيلة إبان زحفه على طيسفون ، من دون أن تكون شبهة التآمر بعيدةً عن الدولتين المتصارعتين ، مع أرجحية الاتهام للرومان ، الأكثر تضرّراً من سياسته الاستقلالية « 3 » . وبعد وفاة سابور ، تراجعت وتيرة الحرب مع الرومان ، وتحديداً بعد معاهدة السلم التي دامت نحو أربعين عاماً بين الطرفين . ولكن الحرب استؤنفت في عهد سابور الثاني ، حين شنّ الأخير حملة على قلعة آمد في ديار بكر ( 359 م ) ، ما لبث أن ردّ عليها الإمبرطور المعيّن حديثاً في روما ( جوليان ) ، بإعلان الحرب على الفرس ، متقدِّماً بجيوشه إلا أنه جوبه بمقاومة شديدة ، أسفرت عن هزيمته وقتله ، ومن ثم إرغام الرومان على عقد معاهدة جديدة ، قضت بانسحابهم من المنطقة « 4 » ، وانكفاء عملياتهم الحربية حتى قيام الإمبراطورية البيزنطية . وليس ثمة شكٌ في أن الفرس كانوا أنداداً على المستوى الحضاري لليونان والرومان ، بل إنهم تفوّقوا عليهم في مجالات عدة ، لا سيما في الإدارة التي تطورت في العهد الساساني ، مع ظهور منصب الوزير ، المكلّف بتسيير شؤون الدولة تحت إشراف الملك ، أو تمثيله في مفاوضات السلم « 5 » . ولكن امتياز الفرس في هذا السياق تجلى في الفكر الديني مع انتشار « الزرادشتية » في الأقاليم الغربية بدءاً من العهد الإشكاني ، وهي « عقيدة » مركّبة قامت على أساس مبدأ الخير والشرّ ، أو « الثنوية » - أهور مزدا وأهورمان في الأدبيات العربية ، إذ يُرمز إلى الأول بالنور ، وإلى الثاني بالظلام « 6 » . كما قطعت الدولة الساسانية شوطاً بعيداً في التنظيم المالي بتفاصيله المختلفة ، وذلك بما يلائم تطور الحياة الاقتصادية في منطقة غنية بثرواتها الطبيعية ، ومتحكّمة بخطوط التجارة الشرقية ، مما جعلها تتبوأ ، بدءاً من عهد سابور بن أردشير ، مكانة عالمية في مواجهة الرومان ، القوة الصاعدة حينذاك وتحقّق انتصارات عليهم « 7 » . ولكن بعيداً عن دائرة الحرب ، فإن ما يلفت الباحث أن العلاقات التجارية لم تتأثر غالباً بالصراع بين الإمبراطوريتين المتنافستين ، إذ كان الساسانيون بحاجة إلى تصريف منتجاتهم ، بمثل ما تاق الرومان إلى السلع الشرقية ، سواء من مصدرها الصيني ، أو المُصنّعة في الأراضي الفارسية . وقد ذكر « كريستنسن » أن الإيرانيين عمدوا إلى « إنشاء مستعمرات من أسرى الحرب ، من البلاد المختلفة ، لإدخال فروع جديدة من الصناعة ، وكذلك لزرع الأراضي البور » « 8 » . ولعل « الديباج » وأنواعاً أخرى

--> ( 1 ) جواد علي ، المرجع السابق ج . 3 ص . 94 - 95 . ( 2 ) المرجع نفسه ج . 2 ص . 81 ( 3 ) كريستنسن ، المرجع السابق ص 223 . ( 4 ) المرجع نفسه ص . 227 . ( 5 ) المرجع نفسه ص . 103 . ( 6 ) اليعقوبي ، تاريخ ج . 1 ص . 159 . ( 7 ) المكان نفسه . ( 8 ) إيران في عهد الساسانيين ص . 115 .