نخبة من الأكاديميين

330

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

حكمه على مساندة القوى الداخلية لمشروعاته بقدر ما كان يعتبرها وسيلة لتعبئة وتوفير عناصر القدرة اللازمة لتنفيذ هذه المشروعات . وبقدر ما كانت المصالح الآنية والعاجلة مفسّرةً لهذا المسلك البريطاني في مواجهة محمد علي بقدر ما كان المسلك العثماني مستنفرًا له ، فلا يمكن تناسي أن فرمان الإصلاح الأول 1839 م كان دافع إصداره - في هذا التوقيت - هو تعبئة مساندة القوى الأوروبية ضد محمد علي ، كذلك سكت السلطان العثماني على السياسة البريطانية في الخليج والجزيرة والتي تجسّدت في الاستيلاء على عدن باعتباره خطوة في احتواء نفوذ محمد علي الممتد ، كذلك سهل من هذا التحرك البريطاني التغيُر في السياسة الفرنسية بعيدًا عن موقفها التقليدي المساند لمحمد علي في مواجهة بريطانيا . وهكذا تراكمت حلقات هذه الخبرة بالنسبة للتداخل الشديد بين حالات البغي أو العدوان وبين حالات الاستنصار بطرف غير مسلم ضد طرف مسلم . فالاستنصار العثماني ببريطانيا على محمد علي واستنصار محمد علي بفرنسا قاد كلًا من الطرفين إلى نتيجة ليست في صالح الأمة الإسلامية ، بل إن الطرف غير المسلم استطاع أن يوظف الخلاف بين الطرفين المسلميْن لحماية وتدعيم مصالحه بالأساس . بعبارة أخرى : في ظل الضعف المتردي لطرف مسلم والسعي الدأوب نحو القوة لطرف مسلم آخر يصبح تأثير التدخل الأوروبي في أقصى درجاته وخاصة إذا كانت قوة الطرف الأوروبي في أقصى درجاتها أيضًا ، وهنا يتضح الفارق بين حالة الضم العثماني لمصر المملوكية في وقت لم تصل فيه قوة أوروبا لدرجة تمكّنها من التدخل وبين حالة الن - زاع العثماني المصري السابق توضيحها . 2 - الاستعمار والحركات القومية : استكمال تصفية الدولة العثمانية والقوى الإسلامية شهد النصف الثاني من القرن 19 وأوائل القرن العشرين وحتى سقوط الخلافة العثمانية حلقاتٌ مهمة من الاحتلال العسكري الأوروبي التي أكملت حلقات سابقةً من ناحية ، كما شهد - من ناحية أخرى - قيامَ الدول الأوروبية الكبرى بتوظيف الحركات القومية - سواء التركية أو العربية - لتحقيق أهدافها في مواجهة الدولة العثمانية . فلقد أعلنت الحركة القومية الأولى عن دورها السياسي بواسطة نظام الاتحاد والترقي ، وكذلك أعلنت الحركة القومية الثانية عن دورها السياسي أيضًا بواسطة مثقفي الشام من المسيحيين ثم من المسلمين العرب ، وكان هذا التطور أداة مهمة من أدوات التدخلات الخارجية الأوروبية لاختراق الدولة العثمانية واستكمال عملية تقويضها في المرحلة الأخيرة من وجودها . هذا ولقد مهد الصدام بين القوتين التركية والعربية الطريقَ أمام تسويات ما بعد الحرب العالمية الأولى التي رسُمت خطتها خلال سنوات الحرب نفسها ( إتفاقية سايكس بيكو ) والتي خضعت بمقتضاها منطقة الشام للاستعمار البريطاني والفرنسي ، وهي آخر المناطق العربية وقوعًا في يد الاستعمار . بعبارة أخرى : لم يكن الاستعمار نتاج توازنات أوروبية فقط كما لم تكن الحركات القومية نتاج