نخبة من الأكاديميين
329
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
أبرز أمرًا مهمًّا ؛ وهو أن مصير إمبراطورية محمد علي ارتهن بمدى اتفاق القوى الأوروبية ضده ، وهذا هو أهم دروس التاريخ الحديث لمصر والعالم العربي . هذا ولقد عبرت أنماط متتالية من التدخل البريطاني والفرنسي ( وكذلك الروسي ) في هاتين المرحلتين عن تفاعل السلوك المصري مع السلوك الأوروبي ، ويبين هذا التفاعل كيف أثرت السياسات الأوروبية إلى حد كبير - على تطور مشروع محمد علي ؛ أي تطوره من مجرد السعي لتدعيم القوة الذاتية إلى السعي لتوسيع نطاق نفوذه وأخيرًا إلى الرغبة في الاستقلال التي قادت إلى السقوط ، كذلك لا ينفصل هذا التفاعل عن طبيعة رد فعل السياسات العثمانية ذاتها ، فهذه السياسات هي التي ساهمت في التمكين لمحمد علي في البداية في الشام ثم في توجيه الضربة القاضية له بعد ذلك كما سبق ورأينا . وبالنظر مثلًا إلى طبيعة السياسات الأوروبية خلال أزمتي الشام ( 1830 م - 1833 م ) ، ( 1839 م - 1840 م ) ، نجد أن هذه السياسات أدت في الأزمة الأولى إلى إنقاذ السلطان وفي الوقت نفسه مكنت لمحمد علي وأهدافه ، في حين وقفت ضده وبأدوات مختلفة حتى تم إسقاطه في الأزمة الثانية . فلم يكن نزاع 1839 م نزاعًا بين محمد علي والسلطان العثماني ولكن بينه وبين بريطانيا ، بل اعتبره بعض المؤرخين دورًا في الكفاح بين الشرق الإسلامي والحضارة الأوروبية وليس مسألة داخلية في الإمبراطورية ، فلقد كان مشروع محمد علي يهدد المصالح البريطانية المختلفة في أرجاء المنطقة العربية . ولقد استخدمت بريطانيا في هذا الن - زاع عدة أدوات : ابتداءً من تأجيج نار الخلاف بين محمد علي والسلطان كلما مال الطرفان إلى الهدوء ومحاولة الاتفاق ( مما أثر على فشل المفاوضات التي جرت بينهما حول مطالب محمد علي وانتهى الأمر بإعلان السلطان الحرب 1839 م وذلك بتشجيع من بريطانيا التي لوحت بمساعدته بكل الطرق ) ، مرورًا بإثارة القلاقل في لبنان ومنع مصر من التصدي لها مستغلة في ذلك الاختلافات الدينية والطائفية لإثارة الكراهية ضد مصر والمصريين خاصة وأنه كان هناك ردود فعل سلبية من أهل الشام تجاه الإدارة المصرية ، ولقد كان للدسائس العثمانية والإنجليزية أثر كبير في تحريك هذه الثورات ضد هذه الإدارة . كذلك رفضت بريطانيا التوجه الفرنسي نحو تشجيع مفاوضات مباشرة بين الطرفين ( وخاصة بعد معركة نزيب ) ولذا تحركت بمبادرة قوية لعقد مؤتمر لندن وإصدار البيان الخماسي 1839 م ولم تشترك فرنسا في هذا البيان ولكنها في الوقت نفسه لم تقاومه أو تساند محمد علي في مقاومة فرضه عليه بالقوة . كذلك وبعد أسلوب الضغط الدبلوماسي الذي تمثل في إصدار هذا البيان الخماسي اتجهت بريطانيا إلى الأداة العسكرية لفرض قبول شروطه بالقوة العسكرية ، فلقد ضربت القوات البريطانية البحرية الموانئ في الشام وهددت الإسكندرية ، علماً أنه كان قد سبق لبريطانيا احتلال عدن 1839 م لمحاصرة النفوذ المصري في الجزيرة وقطع الصلات بين ممتلكات محمد علي في أفريقيا وممتلكاته في الحجاز ، وبهذا اتضح ارتباط السياسات الاستعمارية المباشرة بسياسات ضرب القوى الاستقلالية . كذلك دأبت بريطانيا على الحصار الاقتصادي لمصر لزعزعة استقرار الجبهة الداخلية خاصة أن محمد علي لم يُقِم