نخبة من الأكاديميين

328

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

التدخل لصالحهم أو ضدهم لدى الباب العالي ، فضلًا عن استخدام أداة الإمداد بالأسلحة والمدربين والخبراء العسكريين . فكانت كل من القوتين تؤيد أحد الباشوات طالما ترتبط بذلك مصالحهُا ، أو تتآمر ضده وحتى يتم عزله إذا حدث العكس ، فعلى سبيل المثال ساعدت بريطانيا في تولي سليمان باشا الكبير - أشهر الباشوات - مما عاد عليها بمكاسب عديدة من خلال شركة الهند الشرقية ، في حين تحركت لدى الباب العالي لعزل سليمان الصغير 1808 م لصداقته مع الفرنسيين . ومنذ ذلك الحين تلاشى أي أثر للنفوذ الفرنسي وانفرد الإنجليز بالنفوذ في العراق والذي أخذ يتدعم بصورة متزايدة طوال القرن 19 وحتى وصل إلى حد الاستعمار المباشر 1914 م . ولقد كان لآخر مماليك العراق - داود باشا - دوره ووضعه في هذه العملية منذ بدايته وحتى سقوطه ، فبقدر ما كانت سياسات داود باشا تحقق المصالح البريطانية بقدر ما كان التعاون معه ، وبقدر ما أضحت هذه السياسات تتحدى هذه المصالح بقدر ما جاء التحرك البريطاني لإقصائه . ولقد كانت السياسات الاحتكارية في التجارة والزراعة التي اتبعها داود على غرار سياسات محمد علي قمة التعبير عن هذا التحدي وبداية النهاية بالنسبة له ، خاصة مع افتقاده فرصة المناورة لدى قوة أوروبية أخرى ، وهي الفرصة التي توافرت لمحمد علي بسبب استمرار التنافس الإنجليزي - الفرنسي حول مصر والشام بعد نابليون . فلقد كانت حالة الانفراد البريطاني بالنفوذ ذات تأثير سلبي على إمكانات شروع داود باشا في الاستمرار ، في حين ظلت القدرة على المناورة بين بريطانيا وفرنسا وحتى آخر لحظة من أهم عناصر قوة محمد علي ، ومن ثم فلقد كان هذا القيد وفي ظل التربص من جانب السلطان محمود الثاني ، مفسرًا أيضًا لتأرجح داود باشا مع بريطانيا بين التعاون وبين المعاداة ومفسّرًا أيضًا لتوقيت ضرب السلطان العثماني لهذه الحركة بالتعاون مع بريطانيا . أما السياسات الأوروبية تجاه تجربة محمد علي بصفة خاصة فكانت ذات مدلولات كبيرة على أهداف وأدوات التدخل الأوروبي في العلاقات العثمانية - العربية ، فلقد كان لهذه المسألة وضعها الخاص في عملية التنافس الفرنسي - البريطاني من ناحية وفي معضلة الاستقلال والتبعية في العلاقات العثمانية - العربية من ناحية أخرى ، فإذا كان محمد علي قد نجح في المناورة بين القوى الأوروبية حتى حرب الشام الأولى على نحو ساهم في تحسين الوضع الدولي لمصر في مواجهة السلطان العثماني وفي مواجهة أطماع القوى الخارجية في مصر ، إلا أنه تأكد خلال حرب الشام الثانية أن القدرة على هذه المناورة قد بلغت أقصى حدودها ولم يعد بمقدورها أن تحرز مكاسب لمحمد علي ، فمطامحه وقدراته وصلت إلى حدٍّ بعيد في تهديد المصالح الغربية ، وإلى حد لا يسمح بسكوت بريطانيا أو بتعاون فرنسا بعد ذلك . فبعد أن كان الدور الفرنسي مترددًا وغير حاسم في مساندة محمد علي دائمًا بالصورة التي كان يأملها لدرجة دفعت محمد علي إلى انتهاز كل فرصة لتحسين علاقته ببريطانيا ، بعد هذا تغير خط فرنسا تمامًا وتركت الساحة لبريطانيا بمفردها حتى أسقطت محمد علي لدرجة جعلت البعض يقول : إن فرنسا قد أسلمت مصر لإنجلترا . ومهما كانت مبررات فرنسا ( أي حالة التوازنات الأوروبية ومتطلباتها ) فإن هذا الوضع