نخبة من الأكاديميين
326
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
بالنسبة لنمط العلاقة مع الحركة ، فهو يتسم بعدم السرعة في المبادرة بتوجيه الضربة إليها ولكن بالسكوت عنها في البداية ( الوهابية - السعودية ) أو الاستفادة من قدرتها النامية لتحقيق مصالح عثمانية ( محمد علي - مماليك بغداد ) ، فطالما كانت الدولة العثمانية في حاجة لخدمات الوالي القوي وطالما ظلت الحركة الاستقلالية لا تمثل خطورة حقيقية تسكت الدولة مؤقتًا عنها أو توظفها . وبقدر ما كان التوجه العثماني لإجهاض الحركة الوهابية لأسباب دينية سياسية ، كان إجهاض حركة محمد علي وداود باشا لأسباب سياسية بالدرجة الأولى ، فقد كانا يهددان الدور السياسي لآل عثمان ويجرده من أركانه السياسية في حين كان الدور الوهابي يجرده من أركانه الشرعية - الدينية . أما الأدوات المستخدمة في الإجهاض فهي متنوعة ، أولًا - استخدام القوة العسكرية العثمانية مباشرة كما حدث مع مماليك العراق 1831 م ، ولقد كان حجم مشروعهم ومواردهم لا يتطلب أكثر من هذا على عكس مشروع وموارد محمد علي أو الحركة الوهابية . ثانيًا - استخدام محمد علي لضرب الحركة الوهابية وهذا امتداد لتوظيف عثماني للولاة الأقوياء لإعادة النظام والاستقرار من المنظور العثماني في بعض المناطق . وإلى جانب مناقشة المقولات المتعددة حول أسباب الاستعانة بمحمد علي كما سبق التوضيح - في هذه المهمة فإنه يمكن إضافة بُعدٍ آخر وهو عدم إمكانية توظيف التوازنات الأوروبية حول هذه المنطقة في هذه المرحلة لتعبئة مساندة أحد الأطراف الأوروبية ، وذلك ليس فقط نظرًا لطبيعة وضع هذه المنطقة في هذه التوازنات والتي تحول دون هذه التعبئة نظرًا لاتجاه النفوذ البريطاني للانفراد بها في مقابل اتجاه النفوذ الفرنسي للانفراد بشمال أفريقيا ، ولكن نظرًا للحساسية الدينية لهذه المنطقة التي كان لابد أن يترتب عليها عواقب أوخم بالنسبة للسلطان العثماني إذا استعان بطرف أجنبي مثل فرنسا ( التي كانت تريد ضرب الوهابيين كسبيل لضرب بريطانيا كما سنرى ) وذلك عكس ما حدث بالنسبة لحالة محمد علي . ثالثًا - الاستعانة بطرف أجنبي ( أي الاستقواء بغير مسلم على مسلم ) على نحو مهد السبيل للتدخلات الخارجية وذلك في مواجهة مشروع محمد علي بصفة خاصة . حقيقيةً قامت مراحل مشروع محمد علي المتتالية على الاستعانة أيضًا بأطراف أجنبية ( بفرنسا في عملية الإصلاح والنقل من الغرب ) وعلى اللعب بالتوازنات الأوروبية لتحسين الوضع الدولي لمصر في مواجهة القوى الخارجية الطامعة فيها أي بريطانيا وفرنسا ، وفي مواجهة الدولة العثمانية أيضًا ، ولكن الذي يجدر الانتباه إليه في حركة السلطان العثماني هو نمط استعانته المختلف عن نمط استعانة محمد علي بل وعن نمط الاستعانة العثمانية بالأطراف الخارجية بصفة عامة . فإذا كان قد سبق للعصبيات المحلية في القرن الثامن عشر م أن استعانت في حركتها ضد الدولة العثمانية بصورة أو بأخرى بالتدخلات الأوروبية إلا أن وزن تأثير هذا المتغير الأوروبي كان محدود الفعالية كما أنه لم يجد مناظرًا له لدى السلطان العثماني في حركته في مواجهة هذه العصبيات ، وإذا كانت طبيعة القوة العثمانية وكذلك طبيعة المرحلة التي كانت تمر بها الهجمة الأوروبية أيضًا في القرن الثامن عشر م ( كما سبق ورأينا ) يمكن أن تفسر هذا النمط فإن التردي