نخبة من الأكاديميين
316
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
وإذا كان النمط الأول من المعارضة قد غالى في رفض النقل من الغرب خوفًا من البدع والنيل من الإسلام ( دونما تمييز بين النقل الإيجابي والسلبي ) فإن المعارضة الليبرالية لم تجد غضاضة تحت تأثرها بالأفكار والممارسات السياسية في الدول الأوروبية الكبرى من الدعوة إلى نقل الممارسات والأفكار والمؤسسات باعتبارها السبيل الأمثل لتحقيق التطور ، كما لم تجد غضاضة في بيان أن نقل هذه الأبعاد لا يتناقض مع الإسلام بل إن لها جذورها في الخبرة الإسلامية وفي خبرة التاريخ العثماني ذاته . فلقد حرصت صفوة هذه المعارضة على تقديم أفكارها في إطار يتكيف مع التقاليد والاتجاهات الإسلامية ، ولهذا بدوا - كما يقول البعض - مسلمين مخلصين بفكر ليبرالي وطني . ومع ذلك يظل الحكم على علمنة فكرهم في البداية أو تطويره تدريجيًا على نحو قاد إلى هذه العلمنة أمرًا يحتاج إلى دراسة تفصيلية تساعد على توضيح عدة أمور غامضة ومتناقضة في نظر غير المتخصصين في دراسة هذه المرحلة من التاريخ السياسي العثماني الداخلي ؛ ألا وهو التناقض بين تقييم ، اتجاهات عدة لهذه الحركة : هل هي علمانية أم هي إسلامية تحديثية ؟ وكيف كانت البداية ، وكيف حدث التطور حتى تم تمهيد الطريق للجمهورية الكمالية باتجاهاتها العلمانية الكاملة ؟ وأول هذه الأمور هو أن المصادر التاريخية الغربية تحرص على بيان إخلاص صفوة هذه المعارضة بوصفهم مسلمين ، وذلك على عكس مصادر تاريخية عربية وتركية تبرز صفة العلمنة اللادينية لهذه الحركة بصورة أكثر وضوحًا . وثاني هذه الأمور هو أن المصادر الغربية التي عاصرت نمو هذه الحركة لم تتفق على تقييمها ، كحركة تقدمية أو رجعية ، حيث إن هذه الحركة التي قالت إن التطبيق الفعلي للشريعة يعني تشكيل مجلس تمثيلي وإقامة حكومة مسؤولة مباشرة أمام الأمة عارضت تطبيق بعض إجراءات التغريب ، وكأن هذا الوضع يعكس - وفق نفس المصدر - تناقضًا بين الجانب الغربي والجانب العثماني الإصلاحي الليبرالي ، وذلك على أساس أن صفوة حركة تركيا الفتاة قدموا في خطابهم المعلن بعبارات إسلامية بعض الأفكار والمؤسسات التي عرفوها من اتصالهم بالغرب ، وحتى بفرض أن هذه الأفكار والمؤسسات تتلاءم مع الإسلام أو كامنة فيه بل تتفوق في صيغتها الإسلامية عن الصيغة الغربية إلا أنه - وبغض النظر عن مدى صحة هذه الحجج - فهي وفقًا لنفس المصدر أيضًا - لا تستطيع أن تخفي أن الشكل الجديد لهذه الأفكار والمؤسسات قد انتقل إلى العالم الإسلامي من الغرب . وفي المقابل فإن نمط التدخلات الأوروبية في العملية الإصلاحية تمثل في الدفع نحو الإصلاح وفي التأثير على مضمون هذه البرامج ونتائجها . كما أن هذه التدخلات وظفت بعض الأدوات مثل الملل والأقوام غير المسلمة ، كما وظفت قوى وأدوات اقتصادية لادماج الدولة العثمانية في النظام الرأسمالي العالمي في إطار علاقة التبعية للغرب استكمالًا لحلقات الانهاك العسكري والتقسيم . خلاصة القول : وعلى ضوء مناقشتنا لأهداف ودوافع القيادة ، وأبعاد تأثير المعارضة الداخلية ، وأبعاد التدخل الأوروبي ، فإنه يمكن أن نلخص تحليلنا في نقطتين : النقطة الأولى - نجحت الحكومة العثمانية - ولمدة قرن - في المناورة بالقوى الأوروبية وبقوى