نخبة من الأكاديميين
315
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
بنظرة جديدة في أبعاد دور قوى المعارضة التقليدية حتى نتبين الأبعاد الحقيقية لإلقاء مسؤولية فشل الإصلاحات على الداخل أساسًا وعلى من اقترنوا بالحفاظ على الإسلام والغيرة عليه ، أي طبقة العلماء وعامة الشعب المسلم . فبالرغم من أن هذه القوى كانت تعارض جميع الإجراءات الإصلاحية التي تؤخذ من الكافر وتجرد المجتمع المسلم من خصوصياته إلا أنه يصبح من التحيز البين الانسياق تمامًا في الهجوم على هذه القوى ، كما أنه يكون من التحيز أيضًا المساندة الكاملة لمواقفهم ، فالموقف الوسط بين هذين التحيزين يتطلب الدراسة العلمية المنظمة لآليات هذه المعارضة ومضمون معارضتها ومبرراتها ؛ لنتبين هل اقتصرت فقط على رفض الشكليات التي تتعارض مع الإسلام ؟ وما مدى ما قدمته من بدائل للإصلاح من داخل النظام الإسلامي ؟ وهل رفضت مضامين إيجابية في الإصلاح ؟ ولماذا لم تكن من الفعالية بدرجة سمحت لقوى الضغوط الخارجية بجرف حركة الإصلاح لتصبح عملية تحول وانتقال من نظام إلى آخر ؟ هل كانت قيود الإطار الدولي في تفاعلها مع قيود رؤية ودوافع القيادة والصفوة العثمانية أكبر في تأثيرها ؟ ج - النمط الثالث من المعارضة يمثل نمطًا آخر بين المعارضة التقليدية وبين صفوة الإصلاح أو مَن سموا بمصلحي التنظيمات أو المصلحين المستبدين ( 1792 - 1876 م ) ، ويسمى هذا النمط بالمصلحين الليبراليين أو التقدميين أو التجديديين الدستوريين . هذا وتتعدد أوجه المقارنة بين هذه المعارضة والأخرى التقليدية . فكانت هذه المعارضة الليبرالية التي لعبت دورًا خطيرًا في العقود الأخيرة من عمر الدولة العثمانية قد نبعت من الصفوة المثقفة والبيروقراطية الجديدة ، والتي ظهرت بوصفها قوى اجتماعية جديدة ونتاجًا للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية في مجال التعليم والصحافة والانفتاح على الغرب ، وحاولت أن تقدم أيديولوجية هي : " الدستور " ، " العلم " ، " العلمنة " ، ولقد جمع بينها في البداية مفهوم " العثمنة " ثم الوطنية التركية ( بعد الحرب العالمية الأولى ) . كما لم تكن هذه المعارضة موجهة لعواقب بعض التنظيمات ( مثل النمطين الأول والثاني ) بل موجهة أيضًا إلى جوهر النظام العثماني ذاته ، خاصة انفراد واستبداد السلطان بالسلطة ، فلقد كان صفوة هذه المعارضة قد آمنوا - مثل رجال التنظيمات - بضرورة الحفاظ على الإمبراطورية إلا أنهم اختلفوا معهم في الوسيلة ، وكان من أهم وسائلهم الدستور والبرلمان باعتبارهما سبيلًا لعلاج الخطأ الجوهري في إصلاحات التنظيمات ، وهو أنها كانت مجرد برنامج يحركه صفوة من البيروقراطيين والجيش وليس له أي جذور في القاعدة ، كما أنه كان يتوقف على إرادة السلطان الذي اهتم بالإصلاحات باعتبارها سبيلًا أيضًا لتدعيم سلطته وزيادة مركزيتها . ولهذا لم يكن الشغل الشاغل لقوى المعارضة الجديدة التغريب الذي يتجه إليه المجتمع والدولة ولكن كيفية تغيير السلطة المستبدة . هذا وقد تبلورت هذه المعارضة منذ 1860 م وامتدت تطوراتها بين التنافس كحركة فكرية ( 1860 م - 1877 م ) ثم التقلص ( 1877 م - 1908 م ) ثم الصعود كحركة سياسية ( 1908 م - 1914 م ) وكانت الثورة الكمالية أقصى تعبيراتها ، وكانت بدايتها تحت اسم " تركيا الفتاة " ثم " جمعية الاتحاد والترقي " التي كانت إحدى أجنحة تركيا الفتاة .