نخبة من الأكاديميين
312
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
عن مناقشة درجة القرب أو البعد بين مفهوم " العثمنة " وبين قاعدة المساواة كما طرحها الغرب فإنه لا يمكننا معرفة ما إذا كان عدم الإسراع بتطبيق هذه العثمنة كان مرجعه عدم القدرة بسبب المعارضة الداخلية أو مرجعه عدم الرغبة الحقيقية في تنفيذه بالرغم من كل التعبيرات اللفظية والسلوكية من القيادة العثمانية للتنظيمات عن ذلك ، فإن الوصول إلى هذه المعرفة يتطلب تحليلًا دقيقًا لمصادر دراسة فكر القيادة العثمانية ، ومضمون هذا الفكر ، وهذه الدراسة مهمة وضرورية لتوضيح ذلك الغموض الذي يحيط بفكر هذه القيادة واتجاهاتها نظرًا للتضارب بين المصادر المختلفة حول تقييمها ، وقد تتم هذه الدراسة عبر الأسئلة التالية : 1 - هل هي علمانية ، على أساس أن مواثيق الإصلاح الثلاثة ليست مستمدة من الشريعة الإسلامية ، وأن الاتجاه نحو المواطنة المتساوية يعني الاتجاه نحو مفهوم علماني للدولة وللمواطنة وانفصالًا عن قواعد الفكر الإسلامي التقليدي ؟ . 2 - هل المصلحون - وهم يركزون على إنقاذ الإمبراطورية - لم يفكروا أو لم يعتقدوا بقوةٍ بهذه العواقب " العلمانية " للإصلاحات ؟ أي هل لم يدركوا مآل النتيجة النهائية في المدى الطويل لتطبيق هذه الإصلاحات وما ستسفر عنه عواقب هذا التطبيق بالنسبة لنموذج الدولة الإسلامية ؛ ومن ثم التحول نحو دولة علمانية حديثة ؟ 3 - هل كانت فكرة " المواطنة المتساوية " خروجًا على الأصل الإسلامي أم تولدت عن اجتهاد إسلامي يستجيب لتحديات داخلية وخارجية متجددة ؟ وبقدر ما يصعب الآن اختيار الرد بالإيجاب المطلق أو النفي المطلق على أحد هذه الأسئلة فقط من دون تحليل منظم مقارن لمصادر التعبير عن فكر القيادة العثمانية إلا أنه يمكن أن نصوغ هنا الخلاصة التالية : حيث إن رؤيتنا لضوابط التفسير الإسلامي للتاريخ تفرض أن يكون للمتغيرات العقيدية وضعها الضابط بين المتغيرات الأخرى السياسية والاقتصادية والاجتماعية المفسِّرة للوقائع أو التطورات أو القضايا ؛ ولذا يصبح السؤال المهم هنا هو : ما الذي فعله السلاطين لإصلاح وإحياء السلوك الإسلامي الصحيح في المجتمع ؟ إن فقده وليس عناصر القوة المادية فقط - هو أساس التدهور والضعف الذي حاق بهذه العناصر . ورغم أنه لم تخلُ وثيقة من وثائق الإصلاح الثلاث الأساسية من نغمة إسلامية واضحة سواء بإرجاع التدهور إلى عدم مراعاة الإسلام أو بالتأكيد على ضرورة إحياء قوة الإسلام ، فإنه يمكن القول إن الدولة العثمانية أساءت تقدير عواقب ما يقترن بنقل الأساليب الفنية والمادية من نقل للأفكار والقيم والقواعد الغربية ، كذلك أساءت اختيار الوسيلة اللازمة لإنقاذ الإمبراطورية ( المساواة ) ؛ فهي فضلًا عن كونها تثير الجدل حول مدى تطابقها مع أسس الشريعة ، الأمر الذي أثار معارضة داخلية شديدة لها ، وفضلًا عن كونها - في جانب مهم منها - نتيجة ضغط خارجي ، فلم يكن بمقدور هذه الوسيلة في ظل المعارضة الداخلية وفي ظل الضغوط الخارجية - أن تحقق الهدف من