نخبة من الأكاديميين
313
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
ورائها . بعبارة أخرى : حتى لو افترضنا إمكانية القول : إن القيادة العثمانية أرادت إصلاحًا حقيقيًّا من داخل النظام الإسلامي ( مواطنة في ظل الإسلام ) فإن الوسيلة لم تكن تستقيم مع الهدف ولا تعالج الدوافع ، ذلك لأن هذه الإصلاحات لم تعالج الضعف الأساسي أي السياسي والاقتصادي ( والأهم ضعف الروح والقيم الإسلامية ) ، والذي أدى إلى الضعف العسكري ، فلقد فشلت القيادة العثمانية في إدراك أن الاعتماد الاقتصادي والمالي ليس أقل خطورة من الهزائم العسكرية ومن تأثير القوميات الثائرة على أمن وتكامل الإمبراطورية واستقلالها . ولقد كان دور عناصر المعارضة من ناحية والضغوط الخارجية من ناحية أخرى من أبرز العوامل التي بلورت جوانب هذا السوء في الاختيار . المعارضة الداخلية من حيث أنماطها واتجاهاتها ونتائجها : شهدت ساحة الحركة الإصلاحية منذ نهاية القرن الثامن عشر م وحتى أوائل القرن العشرين م ثلاثة أنماط من المعارضة الداخلية ، وارتبط ظهور كل نمط بمرحلة من المراحل الثلاث الأساسية التي تطور عبرها محتوى السياسات الإصلاحية . ويقوم التمييز بين هذه الأنماط على عدة أسس : المعارضة للإصلاحات أم لنظام الحكم العثماني وسلطات السلطان ، مضمون وأسس الفكر المعارض ، ثم طبيعة القوى الاجتماعية والاقتصادية التي تمثلها . أ - النمط الأول : هو معارضة العلماء والإنكشارية ؛ أي التحالف بين فريقي رجال الدين ورجال السيف اللذين مثَّلا ما يسمى " الصفوة التقليدية " وكانا الركنين الأساسيين للدولة العثمانية منذ نشأتها وفي عصر قوتها ، ولقد وصفت هذه القوى " بالتقليدية " أو " الرجعية " أو المحافظة أو السلفية ، واتهمت بالجمود والتمسك بالقائم ورفض النقل والأخذ من الغرب الكافر والتشكك في الأفكار النابعة من خارج نطاق مجالهم المعرفي . ولقد برزت هذه المعارضة في مواجهة إصلاحات السلطان سليم الثالث والسلطان محمود الثاني رغم من أنها اقتصرت على نقل أساليب فنية ونظم تدريب عسكرية جديدة ، ولم تتضمن مساسًا جوهريًا بنظاميهما وسلطاتهما . ولقد كانت هذه المعارضة من القوة في البداية إلى درجة أنها اكتسبت مساندة شعبية كبيرة لها وحتى أدت إلى فشل إصلاحات سليم الثالث بل عزله ( وفقًا لفتوى من المفتي ) . ولقد تكرر تمرد الإنكشارية وتكرر أيضًا استنفار العلماء للشعب ضد إنشاء نظام جديد للجيش وذلك في ظل مصطفى الرابع ومحمود الثاني ، وظلت هذه المعارضة حائلًا دون إدخال إصلاحات حقيقية ، ولكن تمكَّن محمود الثاني - وبخطوات تدريجية وحذرة - من القضاء على الإنكشارية 1826 م ، ومن احتواء طبقة العلماء من خلال إجراءات أضعفت قدرتهم على المعارضة الفعالة . ومن ثم فلقد انساق البعض منهم وراء السلطان وظل البعض الآخر يقاوم التغيير .