نخبة من الأكاديميين

311

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

يرون أن هذه الإصلاحات لم تكن إلا ذرًّا للرماد في أعين الغرب منعًا لتدخله ، وأن القيادة العثمانية لم تكن تريد هذه الإصلاحات بالفعل ، أو على الأقل لم تقدر على تنفيذها . أما الاتجاه الثاني « 1 » : فتعبِّر عنه المصادر التاريخية التقليدية العربية ؛ فهي تدافع عن جهود الدولة العثمانية للحفاظ على الإسلام ، حيث رأت أن السياسات الإصلاحية كانت السبيل لتحقيق هذا الحفاظ في مواجهة الأطماع الأجنبية . أما الاتجاه الثالث : فهو يتناثر في المصادر الغربية والعربية على حد سواء ، ويرى أن معارضة بعض القوى الداخلية التي وصفت بالمحافظة أو السلفية هي التي أدت إلى فشل هذه الإصلاحات والحيلولة دون تطويرها بسرعة وفعالية على نحو حال دون إنقاذ الإمبراطورية . وهناك اتجاه رابع « 2 » : يمثله المؤرخون الغربيون المعاصرون الذين درسوا بعمق هذه المرحلة من التاريخ العثماني من واقع مصادر غربية وتركية . ولا ينكر هذا الاتجاه حدوث تغييرات وإصلاحات وأنها لم تنجح في حماية المصالح العثمانية الأساسية ( أي تكامل وتماسك أرجاء الإمبراطورية ) أو حلّ المشكلات الداخلية وذلك نتيجة مجموعة متداخلة من العوامل ، ولكن من ناحية أخرى يبرز هذا الاتجاه كيف أن التنظيمات بالرغم من هذا الفشل قد مهدت الطريق نحو تركيا الحديثة بعد سقوط الخلافة ، حيث لم يعد أمام تركيا إلا طريق واحد هو التحديث والتغريب . وبالنظر إلى هذه المنظورات يمكن القول : إن ثمة تقويمًا عامًا مطلوب وهو لابد أن يستند على تحليل العوامل السابق تحديدها . ومن دون الدخول في تفاصيل هذا التحليل « 3 » يكفي التوقف عند بعض الملاحظات حول كل منها وصولًا إلى خلاصة عامة : دوافع القيادة العثمانية ومصداقية أهدافها من وراء الإصلاح : نلحظ التزامن بين توقيت البدء في كل مرحلة من مراحل الإصلاح وبين وقوع هزائم عسكرية وتزايد الضغوط الخارجية على تماسك أرجاء الإمبراطورية . لذا يمكن القول : إن أهم الأهداف العثمانية من وراء الإعلان عن " الإصلاحات " كان إحياء القدرة العثمانية والحفاظ على تماسك الإمبراطورية ولتعبئة المساندة الخارجية والحد من تدخلات القوى المنافسة ، ولكن لم يتحقق ذلك إلا جزئيًا وببطء وبصعوبة خاصة قاعدة المساواة بين المسلمين وغير المسلمين التي كانت في خلفية كل الإصلاحات . فهل يعني ذلك أن القيادة العثمانية لم تكن ترغب في هذه " الإصلاحات " أم أنها م تكن تقدر على الوفاء بها ؟ ولماذا ؟ بعبارة أخرى : هل كان رفع شعار مبدأ المساواة بمثابة سلاح دبلوماسي في وقت الأزمات وليس محورًا لبرنامج إصلاح حقيقي ؟ أي هل كان المصلحون يريدون مجرد تحقيق مكاسب خارجية وعدم تغيير أي شيء في الداخل ؟ بالطبع لا يمكن الرد بالإيجاب خاصة بالنسبة للمرحلة الثانية من الإصلاحات ، وبدرجة أكبر بالنسبة للمرحلة الثالثة . فبالرغم من الصراع بين قادة مرحلة " التنظيمات " حول درجة سرعة الإصلاحات إلا أنهم اتفقوا على أن إنقاذ الإمبراطورية يتطلب بلورة مواطنة جديدة هي " العثمنة " . ومع ذلك وبغضّ النظر الآن

--> ( 1 ) أنظر على سبيل المثال : - محمد فريد : مرجع سابق . ( 2 ) M . E . Yapp : op . cit . pp . 113 - 114 . B . Lewis : op . cit . pp . 127 - 128 . U . Heyd : op . cit . p . 369 . ( 3 ) أنظر رؤى واتجاهات مقاربة حول هذه الأبعاد في : د . نادية محمود مصطفى : مرجع سابق ، ص 194 - 230 .