نخبة من الأكاديميين
310
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين في المركز العثماني وفي أرجاء الإمبراطورية ، ومن ثم إمكانات وآفاق وحدود المساواة بين الرعايا من مختلف هذه الأقوام وهذه الملل . بعبارة أخرى : كان الخيط الكامن والرابط بين جميع هذه الإصلاحات هو " أبعاد التحول نحو دولة مركزية وطنية علمانية بالمعنى الحديث الذي عرفته أوروبا " ، وهو الأمر الذي لم يكن يستوي مع كيان متعدد القوميات تتفوق فيه الملة المسلمة مثل كيان الإمبراطورية العثمانية . المستوى الثاني : محصلة سياسات الإصلاح ومحدداتها : إذا كانت المعارك العسكرية في أوروبا لم تحمِ تماسكَ الكيان الإقليمي الأوروبي للإمبراطورية العثمانية ؛ حيث استمرت تحت ظل التدخلات الخارجية عمليةُ الاستقطاع التدريجية من الأقاليم الأوروبية ومن السلطات الفعلية العثمانية على هذه الأقاليم ، والتي وصلت إلى قمتها في نهاية القرن التاسع عشر م ، فإن الإدارة العثمانية الأخرى في عملية مقاومة الهجمة الأوروبية - أي أداة الإصلاح - لم تساعد أيضًا في حماية هذا التماسك ولم تحلُلْ مشكلاتها الداخلية بل قادت في النهاية إلى نتيجة أخطر وأعمق ما زالت مجتمعات الشعوب المسلمة تعاني من عواقبها الداخلية والخارجية . فهذه الإصلاحات وإن ساعدت على إطالة أجل الإمبراطورية لمدة قرن إلا أنها أفرزت - بصورة تراكمية - تحولاتٍ اجتماعية واقتصادية خطيرة أدت - وبصورة تدريجية منظمة ومستترة في البداية ثم صريحة في النهاية - إلى فصل الإسلام عن المجتمع والدولة وذلك تحت حُجّة ما سمي " التحديث " و " التقدم " و " العلم " ، وفي ظل عملية النقل من الغرب والأخذ عنه . فإذا كان إلغاء الخلافة وتصفية الإمبراطورية واستقلال أرجائها الأوروبية والعربية وإعلان الجمهورية التركية الحديثة بعد نشوب الحرب العالمية الأولى يعد نهاية مطاف قرن ونصف قرن تقريبًا من الجهود الإصلاحية المتنوعة الأشكال والدرجات ، فإن هذه التحولات الخطيرة وجدت جذورها في آليات ونتائج سياسات الإصلاح العثمانية بمستوييها الأساسيين المترابطين : أي العلاقات بين الرعايا المسلمين وغير المسلمين ، وتطوير سبل وتنظيم وإدارة الدولة والمجتمع . فهل كانت هذه المحصلة حتمية ؟ وما العوامل التي حددتها كما حددت المسار نحو الإصلاح ؟ حتى نتمكن من الإجابة عن هذا السؤال يجب مناقشة التأثير المتداخل لثلاثة عوامل : دوافع القيادة العثمانية ( السلطان ودعاة الإصلاح ) وأهدافها من وراء الإصلاح وردود فعل المعارضة الداخلية ، وطبيعة التدخلات الخارجية في هذه العملية . ويساعد التمييز بين هذه العوامل الثلاثة من ناحية ، وتحديد التفاعل المتداخل بين تأثيراتها من ناحية أخرى ، على استجلاء الغموض الذي يكتنف القراءة في سياسات الإصلاح العثمانية بحثًا عن نتائجها وتفسيرًا لهذه النتائج . ومن خلال هذه القراءة يمكن التمييز بين أربعة اتجاهات حول تقويم هذه النتائج وأول هذه الاتجاهات يعبر عنه المؤرخون الغربيون المعاصرون للقرن التاسع عشر م « 1 » ، فلقد رأوا أنه لم تحدث أية إصلاحات أو تغيرات حقيقية من أجل تطبيق مبدأ المساواة بصفة خاصة ؛ ومن ثم
--> ( 1 ) M . E . Yapp : op . cit . p . 111 - 112 . B . Lewis : op . cit . p . 124 . R . H . Davison : op . cit , p . 848 - 849 . - U . Heyd : op . cit . p . 369 .