نخبة من الأكاديميين
303
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
بينها هو كونها نتيجة لاستغلال القوى الخارجية ، لأوضاع القوميات في شرق أوروبا لتحقيق هدف هذه القوى المشترك وهو إضعاف الدولة العثمانية ، كذلك فقد توقف نجاح ثورات هذه القوميات على درجة المساندة الأوروبية التي نجحوا في تعبئتها ، كما توقفت درجة وطبيعة هذا النجاح ( السرعة ، الاكتمال ، درجة الخسائر ) على تفاعل نمط التدخلات الأوروبية مع نمط ردود الفعل العثمانية كما سنرى في المحورين التاليين . أ - نمط ردود الفعل العثمانية : حدود عناصر القوة الذاتية والسعي نحو الاستعانة بطرف خارجي اتسم رد الفعل العثماني بالاعتماد على بُعدين : عناصر القوة الذاتية ، والاستعانة بطرف خارجي . وكانت النتائج النهائية لتسوية الأزمات هي الاستقلال التدريجي لعدد من الدول البلقانية وذلك بناء على نتائج مؤتمرات أوروبية ؛ مما كان يعني أن مصير أوروبا العثمانية قد أضحى مسؤولية جماعية أوروبية ، ومما يعني أيضًا أن البعد الثاني كان أكثر تأثيرًا من الأول . بعبارة أخرى : بالرغم من أن عناصر القوة الذاتية قد أثبتت درجة من الفعالية في حماية الإمبراطورية في بعض المراحل إلا أن التدخلات الخارجية هي التي حسمت النتائج النهائية ، وكان هذا أبرز تعبير عما آلت إليه عمليات توازن القوى العثمانية - الأوروبية وعلى العكس تمامًا مما كان يحدث قبل قرنين حيث كانت التدخلات العثمانية هي التي تحسم نتائج الن - زاعات الأوروبية - الأوروبية . وبالنظر إلى عناصر القوة الذاتية يمكن أن نميز بين ثلاثة أنماط من توظيف هذه العناصر لمواجهة أزمات " الشرق الأوروبي " وهي : استخدام القوة العسكرية العثمانية لقمع ثورات الشعوب البلقانية أو للدخول في حرب ضد روسيا ، وسياسات الإصلاح الداخلية لتحسين أوضاع هذه الشعوب ، والاستعانة بالقوة العسكرية لولاية مصر في عهد محمد علي . وفي حين تداخل باستمرار النمطان الأول والثاني طوال النصف قرن الذي اندلعت فيه الأزمات الثلاث فإن النمط الأخير لم يظهر إلا مرة واحدة خلال الأزمة اليونانية . وعلى ضوء تحليل أنماط استخدام القوة العسكرية في الأزمات الثلاث في ظل سياقها الإقليمي والدولي يمكن القول : إن الطرف العثماني لم يتخلَّ عن استخدام القوة العسكرية تحت اسم " الجهاد " في إدارة تفاعلاته مع الأطراف الأوروبية ، والتي تركزت في هذه المرحلة حول استقطاع ممتلكاته الأوروبية ، ولكن ظهر جليًّا ما أضحى يحيط بهذه الأداة من قيود . فبالرغم من ضخامة الكيان العثماني حيث لم يكن من السهل إسقاطه بضربة واحدة ، إلا أن سياسات الإصلاح التي ركزت بدرجة كبيرة - في مرحلتها الأولى - على المؤسسة العسكرية والأجهزة المعاونة لها ( كما سنرى ) ، لم تستطع أن تعيد إحياء القدرة العسكرية العثمانية على نحو يمكنها من حسم الحروب لصالح قضاياها ، ومن هنا كانت حاجة الدولة العثمانية لتعويض هذا النقص في عناصر القوة الذاتية عن طريق الضمانات السياسية والدبلوماسية ، من جانب قوى أوروبية كبرى . ولقد اتخذ أسلوب الاستعانة العثمانية بطرف خارجي في مواجهة روسيا مسلكين :