نخبة من الأكاديميين

304

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

المسلك الأول : هو التشدد أحيانًا اعتمادًا على نجاح القدرات الذاتية واعتمادًا على مساندة بريطانيا وفرنسا . وفي مقابل هذا التشدد اضطرت الدولة العثمانية أحيانًا أخرى تحت ظروف مغايرة ( هزيمة عسكرية وافتقاد المساندة البريطانية والفرنسية ) إلى قبول شروط بعض الاتفاقات والمعاهدات خاصة معاهدة أدرنة 1829 م ، وكذلك معاهدة سان استيفانو مع روسيا 1878 م تحت ضغط احتلال الأستانة . ولموازنة عواقب هذه الظروف السلبية اتجهت الدولة العثمانية إلى المسلك الثاني المكمل وهو : الحرص على أن تتضمن وثائق المؤتمرات الأوروبية التي عقدت من أجل تسوية هذه الأزمات بندًا ينص على حماية الدول الأوروبية لتكامل واستقرار الإمبراطورية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية العثمانية « 1 » . هذا ولقد أكملت السياسة العثمانية المسلكين السابقين بالتلويح دائمًا : أمام الدول الأوروبية بإجراء " الإصلاحات " التي من شأنها أن تستجيب لمطالب شعوب البلقان والتي معها تفتقد الضغوط الخارجية مغزاها ومبرراتها . وفي الوقت نفسه كما سنرى لاحقًا - كان أفضل سبيل لمواجهة المعارضة الداخلية للإصلاح هو إبراز ضرورته لكسب المساندة الأوروبية وإلا تعرضت الدولة لمخططات أوروبية ضد تكاملها . وكان هذا المسلك المزدوج من أبرز المؤشرات على محاولات تغلب الدولة العثمانية على عواقب محدودية القوة السياسية والعسكرية العثمانية في مواجهة تحديات داخلية وخارجية خطيرة . ب - أنماط تدخل القوى الأوروبية : بين احتواء انفراد روسيا بالحركة وبين مشاركتها الهدف الاستراتيجي لإضعاف الدولة العثمانية . من أهم السمات المشتركة بين الأزمات الثلاث هو دورُ روسيا في اندلاعها وفي إدارتها وتدخلها بصور ودرجات مختلفة سياسياً ودبلوماسياً وعسكرياً ، فردية أو جماعية ( مع دول البلقان ) ؛ لتحقيق وصية بطرس الأكبر ؛ ألا وهي إسقاط الدولة العثمانية : العائق الأساس أمام فرض السيطرة الروسية تحت حجة " الميراث البيزنطي الأرثوذكسي " والعرق السلافي المشترك مع البلقان وشرق أوروبا . كما شهدت هذه الأزمات تدخل أطراف أوروبية - خاصة بريطانيا وفرنسا والنمسا - تحت دعاوى ومبررات مختلفة ( حماية الثوار ، وحرية الملاحة في المضايق ) ؛ ومن ثم فلقد شهدت كل أزمة جهودًا دبلوماسية متعددة الأطراف قبل وبعد اندلاع أعمال عسكرية متعددة المستويات . وعلى ضوء تحليل تفاصيل وتوقيت وتركيبة هذه الأعمال العسكرية والدبلوماسية يمكن أن نصيغ مقولة مزدوجة الأبعاد عن نمط وتدخل القوى الأوروبية مفادها : لقد اختلف نمط التدخل من أزمة إلى أخرى باختلاف حالة نظام التوازنات الأوروبية - الأوروبية التي أحاطت بكل أزمة ، ومن ثم اختلفت أدوات كل نمط في إدارة هذه الأزمات ، ومع ذلك فلقد ظل الهدف واحدًا ومشتركًا بين القوى الأوروبية ؛ ألا وهو احتواء وتحجيم النفوذ الروسي من خلال منع انفراده بتحديد مصير الإمبراطورية العثمانية في البلقان من ناحية ، ولكن مع العمل - من ناحية أخرى

--> ( 1 ) أنظر نص معاهدة أدرنة 1829 م ومعاهدة لندن 1830 م ، ومعاهدة باريس 1856 م ، ومعاهدة برلين 1878 م في : - محمد فريد : مرجع سابق ، ص 513 - 521 ، 678 - 697 .