نخبة من الأكاديميين
289
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
الخارجية للدول العربية ثمنًا مقبولًا وعادلًا للاستن - زاف والفوضى الداخلية والعزلة عن التطورات العالمية ؟ وما هي ضوابط العلاقة السليمة بين مركز الإمبراطورية والأطراف التابعة لها ؟ وما درجة تأثير الأطراف الخارجية على تشكيلها ؟ يمكن من خلال محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة إعادة صياغة هاتين المقولتين على ضوء إعادة تمحيص أبعاد العلاقة بين ضعف الإدارة العثمانية وبين الحركات الاستقلالية ولكن على النحو الذي يبرز طبيعة هذه الحركات ووزن وطبيعة تأثير المتغير الأوروبي على التفاعل بينها وبين المركزية العثمانية . فمن الملاحظ أن الاتجاه العام للأدبيات العربية والاستشراقية على حد سواء هو إغفال تقدير وزن تأثير هذا المتغير على التفاعلات العثمانية العربية ، وإذا كانت هذه الأدبيات لم تغفل الإشارة إلى الدور الأوروبي فإن ذلك قد تم في مواضع متفرقة وبصورة عادية ومن دون تحليل وربط بالسياق العام لتطور هذه الأحداث ودون تمييز بين أنماط مختلفة لتأثير هذا المتغير في الأنساق الفرعية الدولية الإسلامية المختلفة . إن التحليل العام لتطور هذه الأحداث ينقسم إلى ثلاثة جزئيات تقدم كل منها سمات نمط التفاعلات الدولية حول أحد الأنساق الفرعية العربية الأساسية : مصر ، ثم الشام والجزيرة والخليج ، ثم شمال أفريقيا ، وهي أنماط ثلاثة اختلفت من حيث شكل الحكم العثماني ومن حيث درجة إحكام السيطرة العثمانية بصورة دائمة . فهل سيساعد هذا التحليل على إعادة صياغة المقولتين الشائعتين السابق عرضهما على نحو يلخص رؤية جديدة عن أبعاد التفاعل بين الضعف العثماني وبين رد الفعل العربي ، وبين طبيعة تأثير المتغير الأوروبي ؟ أ - مصر بين المساندة العسكرية الروسية لحركة علي بك الكبير وبين التنافس الفرنسي - الإنجليزي التجاري : كان الصراع بين بكوات المماليك والولاة العثمانيين فضلًا عن الصراع بين الأسر المملوكية على السلطة من أهم أسباب تدهور الأوضاع في مصر خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر م . ومع ذلك لم تفرز هذه الصراعات وحتى منتصف القرن الثامن عشر م أي محاولة للانفصال أو الاستقلال عن المركز العثماني . وكانت حركة علي بك الكبير ( 1760 - 1772 م ) مجالًا خصبًا لدراسة أبعاد دولية مهمة تبين آثار وانعكاسات التوازنات العثمانية الأوروبية على مصر كما توضح التوجه المصري المبكر نحو تحدي الهيمنة العثمانية وفي الوقت نفسه تجنب الخضوع لإحدى القوى الأوروبية الكبرى بمفردها « 1 » . وتتضح لنا هذه الخلاصة على ضوء ما يلي « 2 » : أولًا : كانت حركة علي بك الكبير حركة استقلالية في ظاهرها ( عزل الوالي العثماني وعدم قبول ولاة آخرين ، التوقف عن دفع الأموال للدولة العثمانية ، سك العملة والدعاء على المنابر ) ولكن لم يعلن علي بك الانفصال أو قطع العلاقات ، كما لم تستمر الحركة بعد القضاء عليه . وكان من أهم مظاهر
--> ( 1 ) د . جهاد عودة : السلوك الخارجي لمصر . دراسة مقارنة بين عهدي على بك الكبير ( 1772 1760 م ) ومحمد علي باشا ( 1805 م 1848 م ) ( في ) د . علي الدين هلال ( محرر ) دراسات في السياسة الخارجية المصرية من ابن طولون إلى أنور السادات ، مكتبة النهضة المصرية . القاهرة 1987 ، ص ص 69 - 128 . ( 2 ) أنظر تفاصيل الأحداث التاريخية في هذه المرحلة والتي تضمنت الإشارة إلى بعض سمات السلوك الخارجي وخاصة الاتصال بروسيا في : د . عبد الوهاب بكر : مصر العثمانية في النصف الثاني من القرن 18 ، دار المعارف ، القاهرة 1982 د . عمر عبد العزيز : مرجع سابق ، ص ص 144 - 149 . د . عبد العليم أبو هيكل : المشرق العربي من السيادة العثمانية حتى الحرب العالمية الأولى ، دار الثقافة العربية ، القاهرة . د . ت ، ص ص 105 100 . د . ضياء الدين الريس : تاريخ الشرق العربي والخلافة العثمانية أثناء الدور الأخير للخلافة 1744 م 1924 م ، ص ص 39 20 . د . رأفت الغنيمي الشيخ : مرجع سابق ، ص ص 105 100 . د . محمد رفعت رمضان : على بك الكبير ، ص ص 171 138 R . Bagley : op . cit . PP 65 69 . - د . فؤاد المرسي خاطر : " الصراع الروسي العثماني وأثره في الوطن العربي ، مجلة الدراسات التاريخية ، مجلد 1983 ، 29 28 ، ص ص 153 151 . - P . M . Holt : " The Later Ottoman Empire in Egypt and the Fertile Crescent " in . P . M . Holt . et . al . ( ed ) : op . cit . pp 379 - 380 .