نخبة من الأكاديميين

290

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

الاستقلالية التي سعى إليها بناء قوة عسكرية لتوسيع النفوذ المصري في الحجاز والشام ، وكذلك تدعيم القدرة الاقتصادية المصرية من خلال تأمين مصادر دخل جديدة خاصة من التجارة . ثانياً : في حين ساندت روسيا علي بك عسكريًا ضد العثمانيين فإن التنافس البريطاني الفرنسي التجاري ساعده من جانب آخر . ولقد اتخذت المساندة الروسية شكل الاتفاق على القيام بعمل مشترك ضد العثمانيين وكان من أهمها المساندة البحرية لقوات علي بك الكبير وظاهر العمر ( والي عكا ) خلال محاولتهما إحكام السيطرة على الشام . وكان هذا العمل بمثابة أول تدخل عسكري أوروبي مباشر ولو محدود النطاق - في العلاقات العثمانية - العربية . وعلى الصعيد التجاري كان اتفاق التعاون التجاري بين علي بك وإنجلترا أول صورة من صور العلاقات الخارجية بين مصر العثمانية والقوى الأوروبية . ولقد تولد هذا الاتفاق في ظل التنافس التجاري الاستعماري بين إنجلترا وفرنسا في شرق المتوسط للسيطرة على طريق التجارة بين البحر الأحمر والمتوسط بعد أن تدعم النفوذ البريطاني في الهند على حساب النفوذ الفرنسي ، فلقد اتفق علي بك الكبير مع شركة الهند الشرقية لإعادة إحياء طريق البحر الأحمر مصر - المتوسط وفتحه أمام التجارة الإنجليزية بين الهند وأوروبا . وهو الطريق الذي سبق وأغلقه العثمانيون تحت ضغط متطلبات حماية الأماكن المقدسة وحماية الدخول من طرق التجارة البرية الآسيوية وخوفًا من زيادة ثروات المماليك . ولذا كان الاتفاق مع إنجلترا بمثابة أقصى تأكيد على محاولات علي بك الاستقلال المالي - التجاري عن الدولة العثمانية ، بل ودعم قدرة مصر الاقتصادية والمالية في مواجهة هذه الدولة . ولقد اقترن ذلك بتشجيع التجار الأوروبيين وحماية التجارة الأوروبية ، كما ترتب عليه تغيرات اجتماعية وقانونية مهمة للتغلب على العوائق التي تعترض هذه النشاطات الأوروبية ؛ ولذا تنامى نفوذ الأقليات في مصر على نحو لم تعرفه مصر العثمانية من قبل ، ولم تبدأ الدولة العثمانية في الاعتراض على هذا التوسع التجاري إلا حين بدأ علي بك الكبير يوظف عوائده لبناء قوة عسكرية تدعم نفوذه وتدعم مصالحه الاقتصادية ، ولقد كان من بين أهداف امتداد نفوذ علي بك إلى الحجاز تأمين هذا الطريق التجاري . ثالثاً : كان لحالة نظام التوازن الأوروبي وكذلك التوازنات العثمانية - الأوروبية تأثيرها على فرص هذه الحركة والقيود عليها ؛ ومن ثم فلقد سقطت الحركة ؛ لأن الظروف الدولية السائدة - خاصة من حيث الصراعات الأوروبية - لم تكن ملائمة لتحقيق أهداف السلوك العسكري الخارجي لعلي بك . هذا فضلًا عن قوة ردّ الفعل العثماني لإجهاض هذه الحركة واستعادة هيبة السلطة العثمانية في وقتٍ كانت الدولة العثمانية قد منيت فيه بهزائم عديدة في أوروبا أفضت إلى معاهدة كوكينارجا . ويمكن القول : إن روسيا قدمت المساعدة لعلي بك وظاهر العمر كعنصر ضغط لتحقيق مكاسب أخرى أكثر أهمية في مناطق أخرى في مواجهة الدولة العثمانية ، وبالفعل ما إن تم عقد معاهدة كوكينارجا حتى تخلت روسيا عمَّن ساندتهم من قبل على سواحل الشام . هذا ومن ناحية أخرى ، فلقد كان لمراقبة فرنسا وبريطانيا