نخبة من الأكاديميين

28

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

السياسية المختلفة ، ومُحيّدة عن صراعاتها . غير أن قريشاً واجهت حينذاك تحدّياً كبيراً ، ليس في مناطق استيراد السلع وأسواقها وإنما في قلب حاضرتها ، حيث واجه الإسلام معركة مصيرية مع أركان النظام الوثني فيها ، ولم يأل جهداً في إحراجهم ، عبر مصادر أرتزاقهم الأساسية « 1 » . فكانت الهجرة إلى الحبشة ، حليفة البيزنطيين ، مما يندرج في السياسة الخارجية المبكّرة للإسلام ، حيث لقي المهاجرون ملجأً آمناً ، بعد فشل قريش في التأثير على « النجاشي » لإخراجهم من بلاده . وقد وردت هذه العملية ، بصورة غير مباشرة ، في السياق القرأني من خلال « سورة الروم » « 2 » ، بما رمز إليه من الانحياز للبيزنطيين ، وهم أهل كتاب ، والتبشير بقرب هزيمتهم للفرس . وإذا كانت الآيات الأولى من السورة السالفة تعبّر عن موقف مبدئي لمصلحة البيزنطيين النصارى ، فيما لم تبال قريش باندحارهم منقلبةً إلى تحالف الأمر الواقع مع الفرس ، فإنها تؤكد من جانب آخر على دور الشام في المشروع السياسي المبكر للإسلام ، والاهتمام بما يجري على أرضها من تطورات أخذت تتجلى في مرحلة « المدينة » للدعوة ، مع توجّه السرايا والغزوات إلى هذه المنطقة ، باعتبارها المدى الطبيعي لحركتها ، في بُعدها الإنساني الشمولي . ومن هذا المنظور ، انعكس التكوين الجغرافي لشبه جزيرة العرب ، مباشرة على علاقاتها الخارجية مع القوى الغازية التي أخفقت في اجتياحها ، على الرغم من نجاحها بسهولة في المناطق المحيطة بها ، لا سيما قوى الغرب ( اليونان ، البطالمة ، الرومان ، البيزنطيون ) ، وجميعهم شدّتهم إليها ثرواتها وموانئها المفتوحة على تجارات العالم الشرقي . وبناء على هذا الموقع ، بعيداً من مركز الحركة في حوض البحر المتوسط وسواحله ، لم تنجح الممالك العربية التي نشأت في الأجزاء الجنوبية الغربية لشبه الجزيرة ، في تبوء دور سياسي منافس ، لما حققته الدول الكبرى السالفة ، وإنما ظلّت أسيرة الدور الاقتصادي الذي ما انفك يُشكّل مادة للصراع الخارجي عليها . فقد احتفظت لقرون عدة بحصانتها أمام الغزوات التي اقتربت من تخومها ، ولكن دون أن يؤدي بها ذلك إلى العزلة عن العالم المحيط بها ، إذ إن التجارة لم تقتصر على تبادل السلع فقط ، وإنما حملت معها أفكاراً ومؤثرات أكثر ما تجلّت في الثقافة ، وبعض مظاهر العمران ، فضلًا عن الدين ، إذا توقفنا عند نشاط حركتي الشهود والتنصّر في اليمن ، كما توسّعت هذه الدائرة باتجاه الحجاز ، حيث قامت مراكز يهودية في يثرب وبعض القرى ، من غير أن تنجو مكة من محاولات اختراقٍ لمجتمعها المتماسك ، وإن على نطاق ضيق جداً ، من جانب المسيحية ، بدءاً من تنصّر عثمان بن الحويرث الأسدي ، حتى الأزمة الفكرية التي شهدتها عشية الإسلام ، وأسفرت عن تنصّر عدد قليل من مثقفي قريش « 3 » ، ربما تأثروا بابن الحويرث ، لا سيما وأن بعضهم ارتبط بصلة من القربى معه . ولكن هذه الحركة جاءت متأخرة ، ولم يُقيّض لها أن تُحدث اختراقاً فعلياً في الوثنية ، وسرعان ما انضوى أركانها في الإسلام الذي انطلقت دعوته في ذلك الوقت . فقد اتخذت في ظلّها العلاقات الخارجية ، دينامية تلاءمت ومشروعها العالمي الذي تبلور خصوصاً بعد إعلان دولته في يثرب ( المدينة ) ، ووضوح اتجاهاتها في المجال الشامي ، رائية إلى القبائل العربية الخاضعة للنفوذ البيزنطي كنواة

--> ( 1 ) Donner , Mecca's p . 258 . ( 2 ) [ غلبت الروم في أدنى الأرض . وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين . لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله . ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم ] . الآيات 1 - 4 . ( 3 ) من هؤلاء : زيد بن عمرو بن نفيل ، ورقة بن نوفل بن أسد ، عبد الله بن جحش بن رئاب . ابن إسحاق ، كتاب السير والمغازي ص . 116 .