نخبة من الأكاديميين
279
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
التوازنات الأوروبية خاصة الفرنسية - الإنجليزية ضد روسيا لتقليص المكاسب الروسية قبل كوكينارجا ، فإن المعاهدة الأخيرة تمثل نقطة تحول خطيرة في تاريخ انحدار الدور العثماني العالمي وفي تاريخ التوازنات العثمانية - الأوروبية ، وهو الانحدار الذي كان محصلةً لتنامي القوة الروسية ، ولمحدودية نتائج توظيف التوازنات ، ولتزايد المشاكل الداخلية العثمانية . أيضاً لم تنجح في وقف هذا التدهور سياساتُ الامتيازات العثمانية المقدَّمة إلى القوى الأوروبية ، بل كانت هذه الامتيازات نتاجًا لهذا التدهور . فلقد أضحى لهذه الامتيازات مغزى آخر غير مغزاها عند بدايتها مع فرنسا 1535 م ، فلقد أضحت سبيلًا للمساندة من أجل حماية الممتلكات ( امتيازات لفرنسا 1740 م ) أو بمثابة تنازلات تحت ضغط الهزيمة ( امتيازات لروسيا 1774 م ) « 1 » ولم تكن إنجلترا بعيدة عن هذه الساحة ولعبت دور الوساطة بين الدولة العلية وبين عدويها الأساسيين أي روسيا والنمسا ، وذلك تحقيقًا لأهداف التوازنات الأوروبية والمصالح المباشرة في مناطق النفوذ العثمانية . ولكن الدولة العثمانية لم تدخل دائرة الاهتمام البريطاني المباشر إلا في مرحلة تالية من تطور التحالفات الأوروبية وبعد نمو المصالح البريطانية في الشرق الأدنى والهند « 2 » . [ 2 ] تقلص القوة العثمانية العالمية بين تأثير المتغيرات العثمانية وتأثير المتغيرات الأوروبية : ( محاولة تفسير ) اتضح من تحليل المرحلتين السابقتين عدة مؤشرات مهمة عن التراجع من مرحلة القوة والهيمنة العثمانية إلى مرحلة الضعف وبداية الانحدار والتقلص في هذه الهيمنة ، وهذه المؤشرات كانت : طبيعة العلائق السلمية والدبلوماسية ، طبيعة وشروط الامتيازات الممنوحة ، وأهداف توظيف التوازنات الأوروبية - الأوروبية ، وتعد هذه المؤشرات محصلة للتغيير في عناصر القوة العثمانية وعناصر قوة الطرف الأوروبي . وإذا كان تحديد معايير القوة للدولة القائدة للنظام أو المهيمنة عليه من أهم مشاكل دراسة النظم الدولية وتطورها ، فإن اكتشاف وتحديد أسباب التحول بعيدًا عن هذا الدور ليست أقل صعوبة ، وتقدم الحالة العثمانية خلال مرحلة التدهور والانحدار نموذجًا هامًا على ذلك لابد أن يجذب اهتمام الدارسين لأسباب صعود ثم هبوط الإمبراطوريات . ومع ذلك ( وفقًا لبعض أهم المصادر المتخصصة في الدراسات العثمانية ) « 3 » فإن هذه الحالة لم تلق الدراسة الجدية الكافية ؛ حيث لم يتركز الاهتمام على تحليل عمليات الخبو والانهيار بقدر ما تركز على مجرد تصنيف وتعديد العوامل الأساسية التي أدت إلى هذا الوضع . والجدير بالذكر أن هذه العوامل المشار إليها في هذه المصادر هي عوامل داخلية أساسًا ؛ وهي خاصة بالتاريخ السياسي بالدرجة الأولى أكثر من التاريخ الاقتصادي والاجتماعي الداخلي في حين يبدو من الضروري أن نتساءل كيف تؤثر هذه الأنماط السياسية من التغيرات وتتأثر بنظائرها المجتمعية والثقافية وكذلك الاقتصادية .
--> ( 1 ) حول أبعاد الامتيازات العثمانية المقدمة لفرنسا وروسيا في قرن 18 م أنظر : - T . Naff : op . cit . . PP 79 102 - J . Piscatorie : OP . cit . PP 50 - 51 - Antoine Hakaem : Les Provinces Arabes de l'empire Ottoman aux Archives du Ministere des Afaires Etrangeres de france ( 1793 1918 . Les Editions Uniersitairs du Liban 1988 . PP XX XXI . ( 2 ) د . محمد أنيس " الخطوط الرئيسية لسياسة إنجلترا تجاه الدولة العثمانية في القرن 18 م . مجلة الدراسات التاريخية . مجلد 1959 . 8 ، ص ص 190 - 191 وانظر نص المعاهدة النهائية للامتيازات بين الدولة العثمانية وإنجلترا 1675 م . J . C . Hurewitz : The Middle East . . op . cit . PP 34 42 . ( 3 ) ( Bernard Lewis : The Emergence of Modern Turky . Oxford University Press Oxford , 1968 . PP 21 - 22 . - وانظر أيضاً الإشارة إلى صعوبات دراسة مصادر التاريخ العثماني في : د . نادية مصطفى : مرجع سابق .