نخبة من الأكاديميين

280

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

هذا وتذكر مصادر أخرى أكثر حداثة من الأولى « 1 » أن دراسة التاريخ العثماني لم تحُز الأهمية الكافية - ليس لأسباب تاريخية فقط - ولكن لاعتبارات أكاديمية وفكرية أخرى ؛ حيث إن نموذج الدولة العثمانية يدفع الباحث للغوص والبحث في مجالات علم اجتماع التاريخ ، وعلم السكان التاريخي ، والتاريخ الاقتصادي والاجتماعي المقارن ، والتحديث والتنمية بصفة عامة . وبالرغم من أن هذه المجالات تدخل في صميم دراسات النظم المقارنة والحكومات ، فإن دراسة العلاقات الدولية لا يمكن أن تفصل البعُد الداخلي عن الأبعاد الخارجية الخاصة بالأطراف الخارجية المتعاملة مع الإمبراطورية العثمانية ، فكما أنه لا يمكن أن تقتصر الدراسة على التطورات السياسية الاجتماعية الخاصة بقلب الإمبراطورية في الأناضول وعلاقته بأرجاء الإمبراطورية ، فإنه لا يمكن أيضًا أن تقتصر فقط على تفوق الغرب العسكري والاقتصادي ، فالوجهان متداخلان ؛ حيث إن بعض المتغيرات الداخلية ذات جذور خارجية ، كما أن ضغوطًا خارجية عديدة ذات تأثيرات داخلية متعددة ، وهو ما يمثل جهدًا ضخمًا تعجز عنه كثير من الجهود العلمية فتقتصر على دراسة جانب واحد فقط . ناهيك عن إشكاليات العلاقة بين السياسي العسكري وبين الثقافي المجتمعي أو الحضاري بمعنى شامل سواء في ما يتصل بالداخل أو - بصفة خاصة - بالتفاعلات الحضارية الدولية سواء في أوقات السلم أو الحرب أو في أوقات القوة أو الضعف . والنموذج العثماني يفتح آفاقاً كبيرة أمام دراسة هذا النمط المتشابك من التفاعلات ( كما سبقت الإشارة في مقدمة الدراسة ) ، وكما سيتضح لنا من التحليل التالي : أولًا : نجد أن من أهم سمات الأدبيات العربية والأجنبية في تاريخ تطور الدولة العثمانية خلال القرنين السابع عشر ، والثامن عشر « 2 » تلك الإشارةَ الدائمة إلى آثار الأوضاع الداخلية العثمانية المتدهورة وإلى آثار محاولات إصلاحها على العلاقات العثمانية - الأوروبية ؛ وهو ما يدفع للتساؤل عن طبيعة المتغيرات العثمانية التي كانت وراء تقلص القوة العثمانية العالمية وإنهاء دورها بصفتها قوة عظمى . ثانياً : إذا كانت إحدى أهم صور التدخل الغربي في العالم الإسلامي في بداية عصر النهضة الأوروبية هي نموذج الغزو البرتغالي للمحيط الهندي وبداية السيطرة على تجارة المتوسط ، إلا أن العالم الإسلامي استمر طوال القرن السادس عشر م كأكبر وأقدر كتلة في العالم ، حيث إن عناصر القوة الغربية المتولدة عن عصر النهضة لم تكن قد وصلت بعد إلى الدرجة الكافية القادرة على قلب ميزان القوى العالمي ، ولكن ومنذ نهاية القرن السادس عشر م أخذت تتراكم بصورة مستمرة تطورات جذرية في الحياة الاقتصادية والعلمية والاجتماعية الغربية بحيث نتج عنها - خلال قرنين - تفوق عالمي للقوى الأوروبية المسيحية ، ويدفع هذا للتساؤل عن طبيعة المتغيرات الأوروبية التي أدت إلى هذا التحول في هيكل النظام الدولي وعملياته واسمه ؟ ثالثاً : يبرز سؤالٌ مركَّب يطرح إشكالية تفسير التطور الذي حاق ليس فقط بوضع الدولة العثمانية في النظام الدولي ولكن بوضع العالم الإسلامي برمته والذي دخل منذ القرن الثامن عشر م مرحلة الخبو

--> ( 1 ) K . Karpt ( ed ) : op . cit , PP . 9 - 10 . ( 2 ) أنظر على سبيل المثال : محمد فريد ، محمود شاكر ، كارل بروكلمان - E . Creasy , H . Inalcik