نخبة من الأكاديميين

264

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

( أي تقسيم المعارضة المسيحية واستن - زاف جهودها في مواجهات داخلية بين الهابسبورج والبوربون وبين الكاثوليك والبروتستانت ) ، وكان هناك مصالح وأهداف اقتصادية أيضًا تخدمها وتحققها هذه المعاهدة . فمع اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح الذي هدد التجارة في شرق المتوسط بتحويلها إلى المحيطين الهندي والأطلنطي ، كان من الضروري بالنسبة للدولة العثمانية التي تهتم بتنمية التجارة وحماية مصالح تجارها أن تعمل على حماية التجارة بين الشرق والغرب وتضمن استمرار تفوقها ونموها عبر الأراضي العثمانية ( وخاصة عبر الأراضي العربية بعد ضمها ) وذلك لاستمرار توفير الموارد المالية من عائدات التجارة التي تمثل المصدر الأساس للخزانة العثمانية وذلك لمواجهة آثار الأزمة الناجمة عن بداية التحول ( طرق التجارة عقب اكتشاف رأس الرجاء الصالح ) التي أخذت تتفاقم ابتداء من منتصف القرن السادس عشر م . كذلك لم تكن الدولة العثمانية في تحركها هذا تنطلق من حسابات سياستها الأوروبية ، وحسابات مصالحها الاقتصادية فقط وإنما أيضاً من إدراك ووعي بطبيعة المنافسات الخارجية بين القوى الأوروبية في هذه المرحلة التاريخية من الحلقة الأولى من التنافس الاستعماري ، وبالفعل فلقد دعمت الامتيازات من الوضع التنافسي لفرنسا في مواجهة الأعداء المشتركين للدولتين . ولكن كان للعملة وجه آخر ، فبقدر ما حققت الدولة العثمانية من خلال وضعها كدولة قوية ومانحة مصالحها الاقتصادية بقدر ما ساهمت أيضًا وفق ما يقوله البعض - في المساندة السياسية للملكيات القومية والحركة البروتستانتية المناهضة لهيمنة الهابسبورج على أوروبا ؛ وكذلك في مساندة النمو الماركنتيلي لبعض القوى الأوروبية من خلال فتح أسواق الشرق الأدنى أمامها ، وهو النمو الذي كان الخطوة السابقة على النمو الرأسمالي ، ومن هنا مبعث الجدل حول أثر هذه المعاهدة أو هذا التحالف الفرنسي العثماني على توازن القوى الإسلامية - الأوروبية ولو في الأجل الطويل نسبيًا ، نظرًا لما كان لبنودها التجارية من أثار على الاقتصاد العثماني في ظل الأوضاع الاقتصادية الأوروبية والعالمية السابقة « 1 » . وإذا كان من الممكن وفق التحليل السابق كله القول إن الدولة العثمانية القوية المهيمنة التي كانت تقدم الامتيازات بصفتها منحة وبعمل إرادي منفرد ، كانت أيضًا قادرة على جعل كل ما تمنحه من امتيازات ينعكس بإيجابية على ميزان القوى بينها وبين الدول الأوروبية ، إلا أن هذه الصورة التي تحققت في عهد سليمان القانوني تغيرت تدريجيًا بعد ذلك مع دخول هذه الدولة مرحلة الضعف من ناحية ومع تنامي قوة وتوسع الدول الأوروبية من ناحية أخرى ، ومن ثم تحولت قواعد اللعبة ونتائجها لتصبح هذه الامتيازات - التي امتدت لدول أوروبية أخرى بعد قرن واحد - أهم مظاهر ضعف الإمبراطورية العثمانية ثم أحد أهم أسباب انهيارها .

--> ( 1 ) حول مزيد من التفصيل عن الآثار طويلة المدى الاقتصادية أنظر : - د . أحمد عبد الرحيم مصطفى : مرجع سابق ، ص ص 94 - 95 . - د . يوسف علي رابع الثقفي : مرجع سابق ، ص ص 154 - 156 ، 165 - 166 . وانظر تحليلًا تفصيليًا لهذه الأبعاد على ضوء طبيعة الاقتصاد العثماني وتطوره خلال القرنين 16 م و 17 م وحتى أضحى في القرن 18 م جزءًا من النظام الاقتصادي الأوروبي الذي ولد الرأسمالية الحديثة في : . " eporuE nredoM fo tnempoleveD eht no tcapmI hsikruT ehT " : kiclanI lilaH In : Kemal Karpat ( ed ) : op . cit . pp 51 - 59 .