نخبة من الأكاديميين

265

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

2 - الصدام العثماني - الإسباني في حوض المتوسط : شهد هذا النسق الفرعي ( حوض المتوسط ) صدامًا قويًا ومباشر بين العثمانيين بالتعاون مع فرنسا - وبين إسبانيا وكانت أداته الأساسية القوةَ البحرية ، وذلك في الوقت نفسه الذي عجزت فيه الممالك الأوروبية بقيادة شارل الخامس عن توجيه ضربة فاعلة لجيوش سليمان القانوني على أراضي أوروبا . وكان موضوع هذا الصراع الذي ظل مشتعلًا حتى تجمد في نهاية القرن السادس عشر م ذا أبعاد ثلاثة متداخلة ومترابطة : الفتوح العثمانية ( أو محاولات الفتوح ) للقواعد البحرية للدول المسيحية في حوض المتوسط الشرقي ( رودس مالطة ) والأوسط ( إيطاليا ) ، ثم استمرار تهديد إسبانيا والبرتغال لشمال أفريقيا وامتداد النفوذ العثماني إليه استكمالًا لضم الدول العربية ، وأخيرًا استمرار تصفية الوجود الإسلامي في الأندلس ومحاولات النُّصرة العثمانية لهذا الوجود . وتقدِّم التفاعلات الدولية حول هذه الأبعاد الثلاثة مدلولات مهمة بالنسبة لنمط العلاقات العثمانية - الأوروبية على نحو يستكمل مدلولات الفتوح العثمانية في أوروبا ، وبالنسبة لنمط العلاقات العثمانية مع دويلات شمال أفريقيا على نحو يبرز مدى تأثير عامل الخطر الخارجي على العلاقات الإسلامية - الإسلامية . وسنكتفي في هذا الموضوع بالبعد الأول على أن يتم تناول البعدين الثاني والثالث في الجزئية التالية . أهم ملامح الصدام في شرق المتوسط « 1 » مع فتح العثمانيين لرودس 1522 م استكملت البحرية العثمانية تفوقها في شرق المتوسط والذي بدأت السعي إلى تحقيقه منذ أواخر القرن التاسع ه - - الخامس عشر م كما سبق ورأينا ، وكان هذا التفوق لازمًا وضروريًا في عملية المواجهة مع الأسبان . وقد سقطت هذه الجزيرة بعد مقاومة شديدة من فرسان القديس يوحنا ورحلوا عنها إلى مالطة وفق شروط التسليم التي شهدت مصادر عديدة أنها كانت عادلة ومتسامحة . وعلى العكس فشلت محاولة فتح جزيرة مالطة 1565 م ، وكان الاستيلاء على هذه الجزيرة يدعم التفوق الاستراتيجي للدولة التي تريد إتمام السيطرة على حوض المتوسط ، كما يضمن النجاح للعمليات ضد جنوب إيطاليا وصقلية ؛ وهما الموقعان اللذان تسيطر عليهما إسبانيا ويمثلان تهديدًا مستمرًا للوجود الإسلامي في المتوسط وشمال أفريقيا . ولهذا ، فإن فرسان القديس يوحنا تلقّوا مساندة كبيرة من شارل الخامس الذي أدرك مدى أهمية موقعهم الجديد في التصدي للقوة البحرية العثمانية . وكان فشل الحصار العثماني لمالطة بداية توقف الزحف العثماني في المتوسط ووسط أوروبا وهو التوقف الذي تأكد منذ 1571 م بعد معركة " ليبانتو " البحرية التي استطاع فيها الأسطول الأوروبي هزيمة أسطول العثمانيين ، ولكن بعد أن كان النفوذ العثماني الذي امتد إلى شمال أفريقيا قد أضحى حائلًا ضد الهجمة الإسبانية كما سنرى - .

--> ( 1 ) أنظر : محمد فريد ، مرجع سابق ، ص 203 - 206 ، ص 249 - 250 . - E . Creasy : Histoey of the Ottoman Turks . Beirut 1968 . pp 161 - 164 , 187 - 192 .