نخبة من الأكاديميين

24

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

الخروج من اليمن تحت ضغط حركة داخلية بقيادة ابن ذي يزن نفسه ، ولكن بدعم من الفرس المتحفّزين بدورهم للوصول إلى هذه المنطقة ، حيث فرضوا نفوذهم عليها حتى ظهور الإسلام ، في ما كان البيزنطيون الأكثر تضّرراً إزاء تلك التداعيات ، لا سيما وأنها تزامنت مع فترة انحطاط مرّت بها دولتهم في ذلك الحين . فشلت حملة الأحباش إذن ، ولكنها في المقابل أسفرت عن سقوط الدور اليمني الرائد في علاقاته الغربية ، بدءا من اليونان الذين حقّقوا نوعاً من الغزو الثقافي ، على الأقل ، لبعض أطراف شبه الجزيرة ، مكتنهين مبكِّراً طبيعتها الجغرافية والاقتصادية ، مروراً بالبطالمة والرومان ، حتى البيزنطيين ، ممن تطلعوا جميعاً إلى الإفادة من مصادرها الغنية ، ولكن دون أن يحالفهم الحظّ في ضمّها إلى دائرة نفوذهم المباشر ، بيد أن سقوط اليمن لم يؤد إلى تهميش شبه الجزيرة التي انبثقت منها بؤرة جديدة ، أعادت إليها حيويتها القديمة ، ربما بوتيرة أكثر فعالية من قبل ، فقد تزامن خروج الأحباش ، وانكفاء البيزنطيين ، مع تراجع حركة الملاحة في البحر الأحمر ، وهو في الأساس خصوصاً في جزئه الشمالي غير ملائم لعبور السفن الكبيرة التي تضطرها الشعاب المرجانية ، إلى السير بمحاذاة الساحل الشرقي ، ما يجعلها هدفاً للقرصنة « 1 » ، فضلًا عن ارتباط هذا البحر عموماً بحركة التجارة المصرية ، بتعقيداتها وصعوبة انتقالها برّاً إلى موانئ المتوسط ، وغير ذلك من عوائق ، حالت دون تلبية احتياجات الأسواق الغربية على نطاق واسع . وفي ضوء هذه المعطيات ، وقد ترافقت مع انحسار الضغوط السياسية على شبه الجزيرة ، شهدت المرحلة نشاطاً ملحوظاً للطريق البرّية على حساب البحر الأحمر ، وانتشاراً على مداها لمحطّات متفاوتة الأهمية والمسافات ، حيث توفّر الماء في النتيجة يحدّد خطّ سير القوافل ، من مصادر السلع إلى أسواقها . وقدّر لمكة حينذاك أن تحوز السبق في هذا المجال ، لا سيما وأنها قديمة العهد ، سوقاً محلية للقبائل المتردّدة عليها في المواسم لأداء طقوسها الدينية . فهذا الموقع الوسطي ، بين طريق اليمن والعراق والشام ، إضافةً إلى التوقيت الملائم مع تغيرات خطوط التجارة ، وانكفاء الصراعات الخارجية ، كان ما وفّر للدور المكي حيويته ، وفتح آفاق الحاضرة الحجازية على عالم تلك المرحلة ، لتصبح حسب المؤرخ دونر - « حلقة كبرى في المواصلات بين الهند وأفريقية والبحر المتوسط » « 2 » . ولعل ما يهمّنا من هذا الدور الساطع لمكة ، ما انعكس على العلاقة مع الغرب الأوروبي ، ممثلًا حينذاك بالبيزنطيين الذين احتفظوا من نفوذ أسلافهم الرومان بأجزاء من إيطاليا وإسبانية والساحل الأفريقي الشمالي . فقد كانت الأسواق البيزنطية في الشام ، الأكثر أهمية في تجارة مكة التي أثبتت بعد سيطرة قريش عليها قدرة فائقة في تنظيم حركتها وآلياتها ومؤسساتها المدنية والأمنية . فكانت « دار الندوة » في الداخل بمثابة المرجعية لما يصدر عنها من قرارات تخصّ السلطة والاجتماع والاقتصاد ، كما كان « الإيلاف » ، الظاهرة الفريدة في علاقاتها الخارجية ، بما يكفل العهود ( الكلمة المرادفة للإيلاف ) مع

--> ( 1 ) جورج فضلو الحوراني ، المرجع السابق ص . 25 . ( 2 ) Donner , F , Mecca's Food supplies and Muhammed's Baycott . P . 251 .