نخبة من الأكاديميين

25

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

الدول المحيطة بها ، حرصاً على أمن التجارة وسلامة طريقها وحماية أسواقها ، فضلًا عن تأكيده على صيغة « التكافل » في المجتمع المكّي « 1 » . وإذا كانت « دار الندوة » قد ارتبطت بقصي ، أول القادمين بقومه ( قريش ) إلى مكة ، فإن الفضل في إرساء منظومة « الإيلاف » ، يعود إلى حفيده هاشم بن عبد مناف ، الذي تولى مع ثلاثة من إخوانه عقد اتفاقات مع ملوك المرحلة وأمرائها ، حيث تجتاز بلادهم القوافل القرشية ، فكان - حسب الطبري - « أن أخذ ( هاشم ) لهم حبلًا من ملوك الشام الروم وغسان ، وأخذ لهم عبد شمس حبلًا من النجاشي الأكبر ، فاختلفوا بذلك السبب إلى أرض الحبشة . . وأخذ لهم نوفل حبلًا من الأكاسرة ، فاختلفوا بذلك السبب إلى العراق وأرض فارس ، وأخذلهم المطّلب حبلًا من ملوك حمْير ، فاختلفوا بذلك السبب إلى أرض اليمن » « 2 » . وقد اتّصلت بالإيلاف ، الرحلتان الشهيرتان في السياق القرآني « 3 » . وهما رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام ، حيث شكلتا عصب التجارة المكية ، في تلبيتها أسواق المنطقة من احتياجاتها المتنوعة ، المستوردة من الشرق ( التوابل . . ) ، ومن اليمن ( البخور وأنواع العطور . . ) ، ومن مصر ( الحبوب . . ) عبر ميناء الشعيبة على الساحل الشرقي للبحر الأحمر « 4 » ، بالإضافة إلى منتجات الحجاز من الأدم « 5 » وغيرها . وقد جابت قوافل قريش ، الأراضي الشامية وعرفتها عن كثب ، وأقامت صلات وثيقة مع سكانها وملوكها وأمرائها ، وهو ما تؤكد عليه مروية اليعقوبي ، بما يتكامل مع تلك التي أوردها الطبري عن الإيلاف ، وقد جاء فيها ، أن هاشماً التقى قيصراً ، « فلما رآه ( الأخير ) وسمع كلامه أعجبه وجعل يرسل إليه ، فقال هاشم : أيها الملك إنّ لي قوماً ، وهم خيار العرب ، فتكتب لهم كتاباً يؤمّنهم ويؤمّن تجاراتهم . . ففعل قيصر ذلك » « 6 » . وفي ضوء ما تقّدم ، يكرّس « الإيلاف » هاشماً ، زعيماً غير منازع في مكة حتى وفاته في غزّة ، إبان إحدى رحلاته الشامية « 7 » ، فآل الأمر بعده إلى ابنه عبد المطلب الذي بلغت الحاضرة الحجازية في عهده ذروة قوتها ، مجتمعاً « تكافلياً » يسوده أغنياء من دون فقراء . ولكن زعامة بني هاشم فقدت بعد عبد المطلب سلطة المال ، نتيجة لما عُرف عنه من سخاء ، وما شهدته مكة حينذاك من « سنين مجدبة » « 8 » ، حسب رواية اليعقوبي ، فضلًا عن تبعات الغزو الحبشي في هذا الصدد ، مما أخلَّ بالصيغة « التكافلية » ، وأسهم في ظهور طبقة متنوعة الانتماء العشائري ، كان الثراء سبيلها إلى السلطة الفعلية ( أبو سفيان من أمية ، وأبو جهل من مخزوم ، وأبو لهب من هاشم ) . وكان ذلك على حساب فئات أخرى عبّرت عن اعتراضها على الواقع الجديد ، بإعلان « حلف الفضول » ، حيث كان محمد ( ص ) ممن شهده في مطلع شبابه ، وشارك في وثيقته المندِّدة بالظلم والاستغلال « 9 » . ولعل الدور الذي تبوأته مكة ، بتداعياته المثيرة ، لم يأتِ فقط نتيجة متغيرات حركة التجارة ، وصراعات القوى الكبرى المتزامنة معها ، ولكنه متجذرٌ في الحاضرة الحجازية القديمة العهد في التاريخ . فثمة منعطفات ثلاثة تكامل عبر مساحاتها هذا الدور ، حتى بلغ مداه من التوهّج ابتداءً من النصف

--> ( 1 ) [ لإيلاف قريش إيلافهم ، رحلة الشتاء والصيف ، فليعبدوا ربّ هذا البيت ، الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ] سورة قريش . ( 2 ) تاريخ الرسل والملوك ج . 2 ص ؟ 180 . انظر أيضاً : البلاذري ، أنساب الأشراف ج . 1 ص . 95 . المسعودي ، مروج الذهب ج . 2 ص . 33 . ( 3 ) سورة قريش . ( 4 ) الأزرقي ، أخبار مكة ص . 157 ، السهيلي ، الروض الآنف 140 ص . 255 ، إبراهيم بيضون الحجاز والدولة الإسلامية ص . 57 . . ( 5 ) اليعقوبي ج . 1 ص 243 . ( 6 ) تاريخ اليعقوبي ج . 1 ص . 243 242 . ( 7 ) المصدر نفسه ج . 1 ص . 244 . ( 8 ) المصدر نفسه ج . 1 ص . 250 ، ج . 2 ص . 120 . ( 9 ) جاء في الوثيقة : « لا يُظلم أحدّ في مكة إلّا كنّا مع المظلوم على الظالم حتى نأخذ له ظلمه ممن ظلمه ، شريفاً أو وضيعاً ، منّا أو من غيرنا » . الغالي ، العقد الثمين ج . 1 ص . 15 .