نخبة من الأكاديميين
23
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
مالي ، ولهذا البيت ربّ يمنعه لستُ أنا منه في شيء « 1 » . ولكن ذلك اللقاء إن صح ما رُوي عنه - لم يُثن أبرهة عن خطّته ، لاحتلال مكة وإلغاء دورها الديني والسيطرة على تجارتها العظيمة ، معلناً الحرب على عبد المطلب الذي تُقدّمه الروايات ، وكأن فيه من تراث الحنيفية التوحيدية ، ما جعل أهل مكة ينظرون إليه حسب اليعقوبي على أنه « إبراهيم الثاني » « 2 » ، تيمّناً بإبراهيم الأول أبي الأنبياء . ولعل هذه الهالة التي حظي بها عبد المطلب ، كانت كفيلة بأن توحّد كلمة قريش ، دفاعاً عن « بيتها » وتجارتها المقدسة ، بدل أن يصيبها الذعر وتتفرق في الجبال ، كما جاء في رواية ابن إسحاق السالفة . وليست بادرة الكناني « الأُحمس » ، بقتله السلمي الذي اصطنعه أبرهة للدعوة له في الحجاز ، سوى تعبير عن الموقف الملزم للأحماس بالقتال في مثل هذه الظروف ، وانعكاس بالتالي لقرار عبد المطلب في مواجهة الحملة الحبشية . بيد أن ذلك لا يحول دون طرح سؤال في هذا السياق ، عمّا إذا كانت الحرب قد وقعت بين مكة وأبرهة ، وإذا كان ذلك قد حدث فعلًا ، فهل كانت قريش ، وهي ليست تملك حينئذٍ من القوة العسكرية ما يتعدى الدفاع عن أمنها التجاري ، قادرةً على ردع هذه الحملة الكبيرة ، وإفشالها على نحو ما انتهت إليه ؟ ؟ . فقد بدا أن مكة قد استُفردت بعد اختراق القائد الحبشي بعض حلفائها ، لا سيما الطائف الأكثر انضواءً في دائرة نفوذها ، ما يفترض أن مهمة جيشه الجرّار ، المُزود بفيلٍ على الأقل كما في رواية ابن إسحاق « 3 » لن تلقى صعوبة في الاستلاء عليها . فما الذي حال إذن دون تحقيق النصر ؟ إذا رجعنا إلى حيثيات اللقاء بين عبد المطلب وأبرهة ، نرى أن الأول ، بهالته المعنوية ، المستمدة من إيمانه بالحماية الإلهية للبيت الحرام ، قد أثار انبهار الثاني ، وخلّف صدمة في نفسه ، ربما أربكت خططه الحربية في ذلك الوقت . هذا في التفسير التقليدي ، أو ما يقاربه للإخباريين المسلمين ، الذين يربطون الحدث بقوة غيبية رمز إليها القرآن في سورة الفيل ، وأدّت إلى فشل الحملة على مكة . وثمة اتجاه لدى المستشرقين ، أن « الطير الأبابيل » في السورة السالفة ، والتي أرسلها الله على الأحباش ، ربما تعني وباءً تفشّى في حملتهم وفتك بجنودها لا سيما وأن مثل هذه الأوبئة كان مألوفاً في تلك الأزمنة وما بعدها . بيد أن أحد هؤلاء ، وهو F . Buhl ، على الرغم من افتراضه بأن الوباء « كان سبباً في تقهقر أبرهة ، أو على الأقل كان ذريعة لعدوله عن تلك الغزوة الشاقة » ، فإنه يعترف بضعف هذه الرواية ، ولا يجد دليلًا حسيّاً على صحتها « 4 » . ويخلص هذا المؤرخ إلى الاعتقاد بصعوبة مهمة الحملة ، إذ كان عليها مواجهة تحديات الطريق الطويلة ، والظروف المناخية القاسية ، مفترضاً أن جنودها وصلوا منهكين إلى تخوم مكة ، ولم يجدوا سبيلًا إلى اختراق جبهتها المعزّزة بدفاع « الحُمس » الذين اتخذ دورهم سمة « دينية » ، في الحفاظ على حرمة الحاضرة القريشية . ولقد ظلّ هذا الحدث حيّاً في وجدان المسلمين ، لا سيما وأن ذلك العام الذي وقع فيه وحمل أسمه ( الفيل ) ، اقترن بولادة الرسول محمد ( ص ) ( 570 م ) ، التي رهصت بتحوّلات جذرية ، أدت إلى تشكّل معادلات سياسية جديدة ، على حساب الصيغ القديمة المتراجعة ، والتي جاءت حملة الأحباش في سياقها . فلم ينكفئ أبرهة عن مكة فحسب ، بل أُرغم جيشه على
--> ( 1 ) ابن إسحاق المصدر السابق ص . 62 - 63 . ( 2 ) تاريخ اليعقوبي ج . 2 ص . 11 . ( 3 ) السير والمغازي ص . 61 . ( 4 ) المكان نفسه .