نخبة من الأكاديميين
221
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
وحول تفسير دوافع وأهداف الكشوف البرتغالية ، اختلفت الأدبيات العربية والأجنبية من حيث إعطاء الأولوية للعوامل المادية المتصلة بالدوافع الاقتصادية أو العوامل غير المادية المتصلة بالدوافع السياسية - الدينية . ويمكن من خلال التحليل المقارن لهذه الأدبيات استكشاف أربعة تيارات حول طبيعة هذه العلاقة بين العوامل المادية وغير المادية . فإذا كان البعض « 1 » يبرز أولوية الدوافع السياسية الدينية الصليبية ويحذر من مقولات التنافس الاقتصادي بوصفها دافعًا للكشوف ، فإن البعض الآخر « 2 » يعترف بالدوافع الدينية السياسية ولكن باعتبارها رد فعل للموجة الثانية من الفتوح الإسلامية الكبرى مع العثمانيين ، وما كان لها من آثار على طرق التجارة بين الشرق والغرب ، ويعترف تيار ثالث « 3 » بالدوافع الدينية السياسية ولكن مع ربطها بدوافع اقتصادية ودون المبالغة في وزن وأهمية تلك الأخيرة . أما التيار الرابع « 4 » فهو الذي يبرز أولوية الدوافع الاقتصادية . وعلى ضوء التحليل المقارن بين هذه التيارات وعلى ضوء دراسة تطور واقع السيطرة على طرق التجارة بين الشرق والغرب وتطور واقع المواجهة السياسية العسكرية بين المسلمين وغير المسلمين يمكن القول : إن وراء الكشوف السياسية - الدينية والاقتصادية هدفان متكاملان ومترابطان . فالكشوف - ومنذ بدايتها في أوائل القرن الخامس عشر م وحتى اكتمال دورتها في النهاية - لم تكن إلا أداة تنفيذ للهجمة الأوروبية الثانية على قلب العالم الإسلامي بعد أن نجح استردادُ الأندلس والذي اعتبر أول كسر في حلقة إحكام التفاف العالم الإسلامي حول قلب العالم المسيحي في أوروبا ، وكان هذا الإحكام قد تحقق مع فتوحات الأتراك العثمانيين في أوروبا . بعبارة أخرى : كانت الكشوف أداة جديدة لاستكمال هدف الصليبية التقليدية ( محاربة الإسلام وحماية المسيحيين ) ، ولكن بأسلوب جديد استجابةً لظروف أوروبية وظروف إسلامية ولأوضاع دولية متطورة . فلقد أضحى السبيل الأساس لتدعيم مصادر القوة الذاتية للأطراف الأوروبية المسيحية - وفي الوقت نفسه لضرب العالم الإسلامي - هو الحصار الاقتصادي والقضاء على منبع ثراء هذا العالم وقوته في هذه المرحلة ؛ أي التجارة ، بل تحويل هذا المنبع لتغذية مصادر القوة الأوروبية . ولهذا يظهر من دوافع بداية الكشوف ثم تطورها ارتباط شديد بين السيطرة على الإسلام وضربه وبين بُعد التجارة في العلاقات الدولية المسيحية - الإسلامية ؛ وهو الارتباط النابع من المحتوى الجديد الذي أضحى لهذه العلاقات وذلك في ظل التطورات في طبيعة الأطراف الأوروبية المسيحية مع بداية عصر النهضة ، حيث ظهرت قوى اقتصادية متنافسة أخذت بعد ذلك دفعات متتالية من النمو خلال القرون الثلاثة التالية التي تعاقبت خلالها بعض هذه القوى على الهيمنة على النظام الأوروبي ، وهو الأمر الذي صبغ الصليبية التقليدية بصفات متنوعة لتحقيق نفس الهدف التقليدي ولكن في ظل تطورات الرأسمالية التجارية ثم الصناعية ومن ثم في إطار الاستعمار التجاري أولًا ثم الاستعمار المباشر الذي مارسته هذه القوى التي وصل بعضها إلى مرتبة الإمبراطوريات الاستعمارية الكبرى . وهذا الارتباط بين بُعدي " السيطرة " و " ضرب الإسلام والتجارة " في هذه المرحلة الانتقالية بين
--> ( 1 ) - أنظر على سبيل المثال : - عطا الله جليان : الإسلام وأبعاد الغزو الأوروبي ، مؤسسة دار الكتاب الحديث ، بيروت ، ط 1 ، 1986 ، ص ص 43 - 44 . - د . مصطفى رمضان : مرجع سابق ، ص ص 29 - 35 . - أنظر : محمود شاكر : الكشوف الجغرافية دوافعها حقيقتها ، منشورات المكتب الإسلامي ، بيروت 1392 - 1973 م . ( 2 ) - أرنولد توينبي : العالم الإسلامي والغرب ، منشورات المكتب التجاري للطباعة والتوزيع والنشر ، بيروت ، ط 1 ، 1960 ، ص ص 28 - 28 . - أرنست باركر : آثار الحروب الصليبية ، مرجع سابق ، ص ص 132 ، 140 ، 142 - 146 . - انظر على سبيل المثال : - J . T . Addisson : op . cit . p 60 - 61 . - Erich W . Bethmann : Bridge to Islam , George Allan . Univirsal , London . P . 91 - 92 . - د . حسين مؤنس : مرجع سابق ، ص ص 34 - 36 ، 41 - 42 . ( 3 ) - جورج كيرك : مرجع سابق ، ص ص 97 - 99 . - M . G . Hodgson : op . cit V 3 , pp . 21 - 22 . ( 4 ) - د . فاروق عثمان أباظة : مرجع سابق ، ص ص 5 - 36 . - د . محمد عبد اللطيف البحراوي : فتح العثمانيين عدن وانتقال التوازن الدولي من البر إلى البحر ، ط 1 ، دار التراث ، القاهرة ، 1399 - 1979 ، ص ص 53 - 56 . - A . Hess : op . cit . p . 60 .