نخبة من الأكاديميين

22

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

رياح الخطر ، و « يحوطها » بما يردع عنها الغزاة في الوقت المناسب . وهذه « الإحاطة » ظلت بصورة ما ، راسخة في وعي قريش حتى بعد الإسلام ، حتى أن معاوية بن أبي سفيان لم يتردد ، إبان ولايته على الشام في عهد عثمان ، في التوكؤ عليها ، واستخدامها حجةً ضد معارضي الخليفة من القبائل الكوفية . فقد وجد في تمرّد هؤلاء استناداً إلى رواية سيف بن عمر تجرؤاً على إرادة الله في « اختيار قريش لخير خلقه » ، إذ كان يحوطها وهي في الجاهلية على الكفر ، كما على دينه في الإسلام « 1 » . وثمة ما يمكن التوّقف عنده في هذا السياق ، هو أن أبرهة مهّد بحملة إعلامية للنيل من معتقدات المكيين قبل توجّهه إلى الحجاز ، مستميلًا بعض قبائل اليمن ، مثل « عكك » و « الأشعريين » « فدمج » و « ختم » « 2 » ، وذلك بهدف الإيقاع بين القبائل العربية وقريش ، وفكّك ارتباط الأولى ، بالسلطة المعنوية والاقتصادية للأخيرة ، المستمدة من قدسية الكعبة والموروث الديني المتصل بها . أما تفاصيل أخبار الحملة ، فتجدها عند ابن إسحاق ، إذ يروي أن أبرهة ، « خرج يسير حتى إذا كان ببعض طريقه ، بعث رجلًا من بين سُليم ليدعو الناس إلى حجّ بيته الذي بناه ، فتلقاه رجلٌ من الحُمس « 3 » من بني كنانة ( حلفاء قريش ) فقتله ، فازداد لذلك لمّا بلغه حنقاً وحرداً وأحثّ السير والانطلاق ، حتى إذا أشرف على وادي وّج في الطائف ، خرجت ثقيف ، فقالوا : أيها الملك إنما نحن عبيدك وليست رّبتنا هذه بالتي تريد يعنون صنمهم اللات وليست بالتي تحجّ إليها العرب ، وإنما ذلك بيت قريش الذي تجيء إليه العرب ، فقال : إبغوني دليلًا يدلّني عليه ، فبعثوا معه رجلًا من هذيل يُقال له نُفيل ، فخرج معهم ، حتى نزلوا على ستة أميال ( من مكة ) فبعثوا مقدماتهم . . فخرج أهل مكة . . وقالوا : « لا طاقة لنا بقتال هؤلاء القوم ، فلم يبقَ بمكة أحد إلا عبد المطلب بن هاشم ، وغير شيبة بن عثمان بن عبد الدار » « 4 » . وبصرف النظر عن دقّة النصّ السالف ، ومدى التدّخل الإخباري في صياغته ، فإن ثمة دلالات ينطوي عليها ، منها : 1 - تركيز أبرهة على زعزعة الجبهة الموالية لقريش ، باجتذاب قبائل أو أفراد إلى حملته ، والاستعانة بهم مقاتلين أو أدّلاء فيها . 2 - خيانة ( الطائف ) قريشاً ، وهي أقرب حلفائها ، والأكثر إفادة من تجارتها بين القبائل . 3 - تصدّي « الحُمس » الملتزمين بالدفاع عن تجارة قريش للحملة ، مما يجعلنا نتساءل عن مدى صحة ما ورد عن مغادرة أهل مكة حاضرتهم ، تهيّباً من قتال الأحباش لا سيما وأننا نجد ما يخالف ذلك في رواية المسعودي ، بأن عبد المطلب « أمر قريشاً أن تلحق ببطون الأودية ورؤوس الجبال » « 5 » فيما يبدو أنه خطّة مدبّرة للدفاع عن مكة . وإذا تابعنا الرواية ، سنجدها عموماً مفعمة بالخيال ، وكأن القائد الحبشي قادم في موسم الحج إلى مكة ، وليس في مهمة حربية للسيطرة عليها ، فيلتقي عبد المطلب مكرِّماً له ، بينما الثاني يطالبه برّد إبلٍ له « 6 » قد أصابها جنوده . وإذ يعجب أبرهة لإلحاح زعيم مكة على ذلك ، من دون الإشارة إلى « البيت » الذي جاء حسب الرواية ل - « كسره » ، يرّد عبد المطلب بالعبارة الشهيرة : « إنما أكلّمك في

--> ( 1 ) الفتنة ووقعة الجمل ص . 38 . ( 2 ) ابن إسحاق ، المصدر السابق ص . 61 . ( 3 ) صفة أطلقت على القبائل المشتركة في تجارة مكة والتزمت بالدفاع عنها . محمد عبد الحي شعبان ، صدر الإسلام والدولة الأموية ص . 17 . ( 4 ) ابن إسحاق ، المصدر السابق ص . 62 61 . ( 5 ) مروج الذهب 240 ص ؟ 104 . ( 6 ) المكان نفسه .