نخبة من الأكاديميين
203
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
أخرى : كانت التجارة المتوسطية وسيلة المماليك للحصول على الموارد الأولية ( الخشب والمعادن والمماليك ) اللازمة لإقامة وتدعيم الجيش « 1 » . ومن ناحية ثالثة : لم تكن امتيازات التجار مطلقة أو ثابتة وإنما كانت تتعرض لتقلبات عنيفة مع تغير حالة العلاقات المملوكية - الأوروبية ، وكان إغلاق الفنادق أو إعادة فتحها رهنًا بإرادة سلاطين المماليك وعلى أساس تنفيذ شروطهم « 2 » . 2 - مولد الدولة العثمانية وتطور دورها الإقليمي في الأناضول والبلقان 699 ه - - 791 ه - ( 804 ه - ) / 1299 م - 1389 م ( 1405 م ) . استطاعت الدولة العثمانية بعد أقل من مائة عام من بدايتها كإمارة « 3 » أن تستكمل شروط دور القوة الإقليمية النشطة والفاعلة لتصبح - إلى جانب مصر المملوكية - الفاعل الإسلامي الثاني على ساحة التفاعلات الإسلامية الكبرى . وتثير نشأة هذه الدولة ونموها ودوافع توجهها نحو الفتوح والعوامل التي ساعدتها على هذا اهتمامًا كبيرًا « 4 » ؛ حيث إنها تمثل العصر الثاني للفتوح الإسلامية الكبرى ( ولكن بقيادة عناصر تركية ) . ويفسح لنا الاهتمام بهذه الأمور مجالًا لدراسة نمط التفاعلات الإسلامية - المسيحية حول هذا النسق الفرعي البازغ ؛ الأمر الذي يمكن تبينه بالنظر في تطور الفتوح العثمانية ودوافعها ، وكذلك عوامل نجاحها . الفتوح العثمانية : تطورها ودوافعها : تحقق نمو واتساع الدولة العثمانية في طوريْن أساسييْن : طور التوسع الإقليمي في آسيا خلال النصف الأول من القرن الثامن ه - ، وطور التوسع عبر الإقليمي نحو أوروبا البلقان خلال النصف الثاني من نفس القرن وذلك على حساب الدولة البيزنطية والإمارات التركمانية المسلمة وريثة الدولة السلجوفية المتهاوية والممالك البلقانية . ويتضح لنا من متابعة تطور مراحل التوسع العثماني « 5 » عدة أمور : فمن ناحية أولى يتضح أن الهدف الأول للدولة العثمانية في بداية طور نموها الأول كان إسقاط الدولة البيزنطية وفتح القسطنطينية ، وكان هذا الهدف يقتضي التوسع في أوروبا لاحتواء وحصار القسطنطينية والحيلولة دون أية فرصة لدعمها أو مساندتها من جيرانها ، وكذلك السيطرة على الإمارات التركمانية في الأناضول وذلك توحيدًا لجهود المسلمين ولقطع الطريق على البيزنطيين إذا ما حاولوا التحالف مع هذه الإمارات ضد الدولة العثمانية . ومن ناحية أخرى : خرجت الدولة العثمانية من هذه المرحلة من التوسع بوصفها القوة الإقليمية الأولى في المنطقة ، وحل سلاطينها محل سلاجقة الروم باعتبارهم سلاطين الروم . ولقد أوشك هذا التطور أن ينطلق نحو مرحلة أخرى وهي مرحلة الإمبراطورية والهيمنة العالمية لولا غزوة تيمور لنك التي جمّدت هذه الانطلاقة لفترة طويلة لما كان لها من آثار متعددة كما سنرى . وبالنظر إلى دوافع الفتوح العثمانية بين مقولات الجهاد وبين مقولات المصالح يمكن القول ابتداء إن هناك قدرًا كبيرًا من الاتفاق بين تيارات متنوعة من التحليلات حول الوظيفة الجهادية للإمارة العثمانية منذ نشأتها وإن تعددت مبررات هذه الوظيفة « 6 » . ولكن - وفي المقابل - توجد تيارات أخرى « 7 » تبرز
--> ( 1 ) ( ) A . S . Atiya : op . cit . pp 18 - 20 . ( 2 ) - د . صبحي لبيب : مرجع سابق ، ص ص 299 - 300 . - أحمد مختار العبادي ، د . السيد عبد العزيز سالم : مرجع سابق ، ص 326 . ( 3 ) - أنظر على سبيل المثال : - محمود شاكر : مرجع سابق ، ج 8 ، ص ص 59 - 60 . - محمد فريد : تاريخ الدولة العلية العثمانية ، تحقيق إحسان حقي ، دار النفائس ، بيروت ، ط 4 ، 1408 - 1988 . - محمد جميل بيهم : فلسفة التاريخ العثماني ، مطبعة مكتب صادر ، بيروت ، 1952 . ( 4 ) - أنظر تحليل المؤرخ التركي كوبريلي والذي يعد تحليلًا أساسيًا رائدًا حول هذه المسألة حيث ينطلق من عرض ونقد النظريات الاستشراقيه التي سادت حول نشأة الدولة العثمانية وتطورها ثم يقدم تحليله ورؤيته الخاصة التي تقوم على تحليلات اجتماعيه اقتصاديه دينيه لوضع التركمان في الأناضول في القرنين 13 م و 14 م كما اعتمد على مصادر لا تقتصر على كتب الوقائع التاريخية بل تبحث في مشكلات التاريخ الاجتماعي والسياسي على أساس أنه لن يمكن فهم كيفية قيام الدولة العثمانية في القرن 14 م بدون دراسة التاريخ الاجتماعي للأناضول في القرن الثالث عشر للوقوف على منشأ القوي المادية والروحية التي أظهرت الدولة العثمانية وهيأت لها أسباب التطور السريع . ولقد بنت عديد من الدراسات العربية تحليلاتها على هذا العمل نقدًا أو تعليقًا عليه منذ صدوره في شكل ثلاثة محاضرات 1934 انظر : - محمد فؤاد كوبريلي : المرجع السابق . وحول إضافة أخرى في تاريخ دراسة هذه النشأة التي تركز علي كيفية تحول المجتمع إلى كيان سياسي وكيف نجح عثمان في أن يصبح قائدًا سياسيًا ومؤسس دولة جديدة . انظر دراسة المؤرخ التركي الشهير : - Halil inalcik : the question of the emergence of the ottoman state . journal of Turkish studies vo . pp . 21 79 . وحول طبيعة الدولة الناشئة ومدي جمعها بين تقاليد بيزنطية وإسلامية وتركية وفارسية تتعدد المقولات في أدبيات غربية عديدة . انظر على سبيل المثال رؤية أرنولد توينبي في : - Arnold Toynbee : the Ottoman empires place in world history . ( in ) kemal karpat ( ed ) . the ottoman state and its place in world history . leiden , E g . Brill . 1974 . ( 5 ) - تم استخلاص هذا التصور المرحلي من واقع التفاصيل التاريخية في : - محمود شاكر : مرجع سابق ، ص ص 60 - 74 . - محمد فريد : مرجع سابق ، ص ص 114 117 . - د . عمر عبد العزيز : تاريخ المشرق العربي 1516 - 1922 م ، دار النهضة العربية ، بيروت 19840 ، ص ص 38 - 42 . - د . أحمد عبد الرحيم مصطفي : في أصول التاريخ العثماني ، دار الشروق ، القاهرة ، ط 1 ، 1982 . - الشيخ إبراهيم بن عامر بن علي المالكي : قلائد العقبان في مفاخر أل عثمان طبع بمصر ، 1317 ه - . - تلخيص التاريخ العثماني ، تعريب شاكر الحنبلي ، المكتبة الهاشمية ، القاهرة 1231 ه - . - Halil inalcik : the emergence of the ottomans . in p . m holt et . al ( eds ) : opcit . vol pp 266 - 269 , 274 277 ( 6 ) - أنظر هذه التيارات والمبررات في : - محمد فؤاد كوبريلي : مرجع سابق ، ص 12 - 24 . - محمد شاكر : مرجع سابق . - محمد فريد : مرجع سابق . - برنارد لويس : السياسة والحرب ، مرجع سابق . - د . عمر عبد العزيز ، مرجع سابق . - محمود ثابت الشاذلي : المسألة الشرقية دراسة وثائقية في الخلافة العثمانية ( 1299 - 1923 م ) مكتبة وهبة ، القاهرة ، ط 1 ، 1989 1409 ، ص 39 . ( 7 ) - محمد عبد المنعم الواقد : الغزو العثماني لمصر ونتائجه علي الوطن العربي ، مؤسسة شباب الجامعة ، الإسكندرية د . ت ، ص ص 84 83 . - H . inalcik : op . cit . pp 267 - 269 .