نخبة من الأكاديميين

204

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

الدوافع الاستراتيجية والاقتصادية للتوجه العثماني نحو أوروبا ، والذي استمر قرنين قبل أن يتحول نحو الجنوب . ومما لا شك فيه أنه - بالنظر إلى ما يسمى بالتفسير الإسلامي " البسيط " الذي لا يأخذ في الاعتبار العوامل المادية ، وعلى ضوء متطلبات ما أسميناه " التفسير الإسلامي الواسع " الذي يؤكد على أهمية الاعتبارات العقيدية ، إلا أنه لا يهمل العوامل المادية « 1 » - فإن فهم وتحليل " دوافع " الفتوح العثمانية بل وغيرها من الفتوح الإسلامية لابد أن يستند أيضًا إلى السياقات الزمانية والمكانية لها وليس إلى العامل العقيدي فقط . وتثور أمامنا نفس الإشكالية عند تناول " عوامل نجاح " الفتوح . عوامل نجاح الفتوح وتطور الإمارة إلى قوة إقليمية : كان لمجموعتين من العوامل المتفاعلة خارجية وداخلية - تأثيراتهما المتفاعلة على نمو الإمارة العثمانية لتصبح قوة إقليمية . . إما باعتبارها عوامل محفزة وموفرة للفرص والإمكانات أو عوامل مقيدة وضاغطة « 2 » . - وتتلخص العوامل الداخلية في عناصر القوة الذاتية اللازمة لترجمة الدوافع والأهداف إلى واقع ملموس . وهي بدورها تجمع بين البُعدين العقيدي والمادي . ويأتي عامل قوة روح الجهاد وخدمة الإسلام على رأس العوامل الداخلية متفاعلًا مع ثقافة مناطق التخوم « 3 » ، ولكن ما كان هذا العامل بمفرده ليحقق الأهداف من دون توافر عوامل قوة أخرى مثل : نظام الجيش ، الروح العسكرية وضوابط الشريعة الإسلامية لأعمال الفتح ومعاملة أهل الذمة ، وتوافر أركان نظام سياسي قوي . وتحوز كل من هذه العوامل الاهتمام وتثير إشكاليات حول بعض القضايا من زوايا عدة تلخصها عناوين : الإنكشارية ، التسامح مع غير المسلمين عند الفتح ومع أهل الذمة من بعده ، ممارسات السلاطين العثمانيين ( مركزية السلطة ، نمط تنظيم وإدارة البلاد المفتوحة ، المهارة السياسية والدبلوماسية ) « 4 » . ولقد ثار الاهتمام بنفس القضايا وغيرها ولكن من منحى آخر عند تحليل أسباب ضعف الدولة العثمانية وتدهورها في القرون الثلاثة الأخيرة من عمرها . - أما العوامل الخارجية التي ساعدت على توظيف الدولة العثمانية لعناصر قوتها الذاتية لخدمة أهداف الجهاد الإسلامي فهي تنقسم بين محورين : أحدهما يتصل بأوضاع آسيا الصغرى المغولية والتركمانية ، والآخر يتصل بأوضاع أوروبا ( البيزنطية ، البلقانية ، الغربية ، اللاتينية ) . فعلى سبيل المثال « 5 » : إذا كانت أوضاع التجزئة والضعف التي كانت عليها الإمارات التركمانية وريثة الدولة السلجوقية قد ساعدت الدولة العثمانية على ضمها إلا أنها كانت من ناحية أخرى مبعثًا لقيود على الفتوح العثمانية في أوروبا . فلقد انتهزت دائمًا هذه الإمارات فرصة انشغال العثمانيين بموجة عبورهم الأول إلى أوروبا لمحاولة استعادة استقلالهم مما كان يتطلب من العثمانيين بذل الجهد لإجهاض هذه المحاولات . وكانت إمارة " قرمان " أكثر هذه الإمارات قوة وتحديًا للعثمانيين وتهديدًا بالتعاون مع الأوروبيين الذين كان العثمانيون يفتحون أراضيهم . ولقد آثار قتال العثمانيين المتكرر لهم في نهاية القرن ، وبعد ما يقرب من مائة عام من مولد إمارة العثمانيين ، وفي غمرة الجهود العثمانية لإحكام السيطرة النهائية على شبه جزيرة البلقان ، أثار هذا القتال بين المسلمين وبعضهم البعض انتقادًا لسمعة

--> ( 1 ) - أنظر : د . نادية محمود مصطفى : مدخل منهاجي . . . . ، مرجع سابق . ( 2 ) - من الجدير بالملاحظة أن المصادر الثانوية العربية قد ركزت على مصادر القوة الذاتية وروح الجهاد في حين ركزت المصادر الثانوية الغربية على العوامل الخارجية وخاصة الاختلافات والانقسامات الأوربية ، وهذا تعبير عن نوع من الثنائية التي انقسمت بينها المصادر ، خاصة في ما يتصل بوزن العوامل العقيدية مقارنة بالعوامل المادية . ( 3 ) - د . محمد مصطفي رمضان : العالم الإسلامي في التاريخ الحديث والمعاصر ، الجزء الأول ، مطبعة الجبلاوي ، القاهرة ، 1986 1405 ، ص ص 59 58 . M . G . Hugdson : op cit . o 4 283 . - - H . inalick : op . cit . p 269 270 , p 283 ( 4 ) - أنظر التفاصيل في : - محمد جميل بيهم : فلسفة التاريخ العثماني ، مرجع سابق ، ص ص 154 - 155 . - د . محمد مصطفى رمضان : مرجع سابق ، ص 60 . - حسن لبيب : تاريخ الأتراك العثمانيين ، مطبعة الواعظ ، القاهرة ، 1917 ، ص 18 . - J . Glubb : op . cit . pp 418 - 419 . - H . Inalclk : op . cit , p . 283 . - توماس أرنولد : مرجع سابق ، ص ص 171 - 200 . - A . S . Atyia : op . cit , p 416 . ( 5 ) - أنظر التفاصيل في : حول تطور ظهور هذه القوى التركية الجديدة وحول طبيعتها والعلائق بينها أنظر : - محمد فؤاد كوبريلي : مرجع سابق ، ص ص 60 - 77 . وانظر أيضًا : - محمود شاكر : مرجع سابق : ص ص 59 - 68 . أنظر التفاصيل في : - المرجع السابق ، ص ص 66 ، 69 ، 70 - 72 . - H . Inalcik : op . cit . , pp . 289 - 290 . - محمود شاكر : مرجع سابق ، ص ص 64 - 65 . - محمود ثابت الشاذلي : مرجع سابق ، ص ص 101 - 103 .