نخبة من الأكاديميين

202

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

البعيدة ولكنها أصابت العلاقات المملوكية - الإفرنجية بتوتر شديد ، وظل المماليك يرفضون عقد أي صلح مع الملك بطرس الأكبر ملك قبرص الذي قاد الحملة بل تحولوا بعد ذلك مع المماليك الشراكسة ، ونظرًا لاستمرار سياسة الاعتداء على الموانئ والسفن المصرية والشامية - إلى الهجوم المضاد . ولقد اختلفت أساليب التصدي المملوكي لهذه الأساليب الصليبية الجديدة باختلاف حالة الطرف المملوكي خلال القرن قوةً أو ضعفًا . ففي ظل عصر المماليك العظام وعلى رأسهم الناصر محمد بن قلاوون ( 709 ه - - 741 ه - ، 1309 م - 1341 م ) تنوعت السياسة بين الفتح والتحالف والدفاع ؛ وذلك بدءًا من حملاته المتوالية على مملكة النوبة المسيحية وإقامة ملك مسلم على هذه البلاد ، إلى رفضه احتجاجات واتهامات ملك الحبشة باضطهاد مصر لأقباطها وتصديه لتهديداته بتحويل مجرى النيل ، إلى توطيد العلاقات مع الدولة البيزنطية التي رفضت المشاركة في المشروعات الصليبية الجديدة لخنق دولة المماليك اقتصاديًا « 1 » . وفي ظل تدهور الدولة المملوكية خلال النصف الثاني من القرن الثامن ه - وحتى سقوط المماليك البرجية وعدا فتح أرمينيا وضمها - استمرت جهود المماليك التي بدأها السلطان الناصر لإجهاض المقاطعة الاقتصادية التي دعت إليها البابوية ضد مصر . . وقبل أن تلجأ مصر إلى سياسات الاحتكار في القرن التاسع ه - لتدعيم سيطرتها على طرق التجارة ( كما سنرى ) اتجهت إلى منح الكثير من الامتيازات التجارية لتجارة الإفرنج ؛ حيث توسعت مصر في إعطاء " حق إقامة الفندق " « 2 » بحيث أصبحت المؤسسة الفندقية تمثل ذروة المؤسسات التجارية والمعاملات الدولية والعمود الفقري للمعاهدات التي عقدتها مصر المملوكية مع الممالك الأوروبية المتوسطية في القرنين الرابع عشر والخامس عشر م . ولقد أدت هذه الامتيازات الفندقية إلى تطوير مهم في اتجاه العلاقات التجارية حيث كانت التجارة بين مصر وهذه الممالك قبل ذلك تجارة ساحلية أساسًا . وكان من شأن هذا التطور أن يثير التساؤل عن دوافعه ومغزاه بالنسبة لسياسة الجهاد الإسلامية ؟ فهل هو ابتعاد آخر عنها أم أنه تحقيق لأهدافها ولكن بأدوات جديدة لا تنفي طبيعتها السلمية استمرار تفوق الطرف الإسلامي وهيمنته ؟ فإذا كانت بعض الأدبيات الغربية « 3 » قد رأت في اتفاقات القرنين الرابع عشر والخامس عشر م ( ومن قبلهما اتفاقات نهاية القرن الثالث عشر م ) بدايات " الامتيازات الأجنبية " التي جاءت بعد ذلك في العصر العثماني ، أو رأى فيها البعض الآخر « 4 » التعبير عن أن المماليك لم يعودوا يرون " مبدأ الحرب المقدسة ( الجهاد ) بنفس أسلوب الإسلام الأول " ، فإنه من واقع تحليلنا التاريخي يمكن الإشارة إلى الخلاصة التالية : إن الممارسات المملوكية على صعيد العلاقات التجارية إنما انطلقت من وضع القوة وأهداف المناورة وليس الضعف أو الخضوع ، كما أنها كانت تخدم وتدعم المصالح السياسية والعسكرية المصرية في مواجهة الأعداء من الشرق ومن الغرب على حد سواء . فعلى سبيل المثال ، كانت الامتيازات التجارية الممنوحة لممالك متوسطية تحرص على مصالحها الاقتصادية وسيلةً للمناورة المملوكية بينهم وبين مساندي المشروعات الصليبية الجديدة « 5 » . ومن ناحية

--> ( 1 ) - أنظر التفاصيل في : - د . سعيد عبد الفتاح عاشور ، مرجع سابق . - د . سعيد عبد الفتاح عاشور : العصر المماليكي ، مرجع سابق . - د . محمود شاكر ، مرجع سابق . - د . إبراهيم علي طرخان : الإسلام والممالك الإسبانية بالحبشة في العصور الوسطى ، المجلة التاريخية المصرية ، مجلد 8 ، 1959 . ( 2 ) - د . صبحي لبيب : الفندق ظاهرة سياسية واقتصادية قانونية ، في : - د . رؤوف عباس ( محرر ) مرجع سابق ، ص ص 286 - 298 . ( 3 ) - د . صبحي لبيب : مرجع سابق ، ص ص 291 - 292 . - P . M . Holt : op . cit . p 166 . ( 4 ) ( ) A . S . Atiya : op . cit . pp 20 - 21 . ( 5 ) - د . عبد المنعم ماجد : العلاقات بين الشرق والغرب في العصور الوسطي ، مكتبة الجامعة العربية ، بيروت ، ط 1 ، 1996 ، ص ص 205 .