نخبة من الأكاديميين

178

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

ما حدث خلال حكم المرابطين في الأندلس لأحد الملثمين ويدعى موسى بن مفروح أكبر الخواص المقربين من أبي حفص عمر بن علي بن يوسف « 1 » . منح أبو حفص عمر وهو عامل على غرناطة سلطات واسعة لموسى بن مفروح إذ أوكل إليه تدبير الشؤون السياسية لعلمه وأخلاقه . ويبدو أن فئة خاصة ، لا نعرف شيئا عنها ، من أهل غرناطة أجمعوا على قتله . وقام بتنفيد ذلك أحد اليهود الذي كان ينتحل الطب « 2 » . وعندما تمت محاكمة " يناله " « 3 » عامل غرناطة وسجنه بسبب تعسفه على أهل الذمة وعلى سائر الرعية ، قام أهل غرناطة بالبحث عن يهودي كان يعاون العامل المرابطي على ظلمه وتعسفه فنهبت داره وصادرت الدولة أمواله . غير أنه لم يعثر على اليهودي لمحاكمته إذ هرب من المدينة وتوفي بعد ذلك « 4 » . وإذا ما استحضرنا في هذا المقام ما حدث لابن النغريلة في غرناطة يبدو أن العلاقة بين المسلمين واليهود بهذه المدينة كان يشوبها التوتر . كما حدثت ثورة أخرى ضد اليهود بقرطبة سنة 529 / 1135 بسبب اغتيال يهودي لمسلم فخربت العامة دور اليهود ونهبت أموالهم « 5 » . ولا شك أن أعمال اليهود وتصرفاتهم أفسدت علاقتهم بالمسلمين ، وأثارت الأحقاد والضغائن ضد أفراد هذه الطائفة وكرست لهم في ذهنية المسلمين بغضا كبيرا ولهذا كانت الرعية تأنف من استعمال اليهود والنصارى معا في المناصب التي يكون لهم من خلالها سلطة على المسلمين لأنهم أهل ذمة . وهذا ما أقره الفقهاء أنفسهم « 6 » . وأتقن الشعراء تصوير موقف المسلمين الرافض لاستعمال اليهود في أشعارهم بما يعكس كراهية اليهود ونعتهم بأرذل الأوصاف « 7 » . وساهمت هذه الأدوار التي كانت لليهود في تبلور موقف خاص ضدهم وضد ما كانوا يقومون به من أعمال إذ أفسد الأمر العلاقة بين الجانبين وانتشر كره اليهود داخل أوساط الرعية المسلمة . ويجمل ابن حزم الموقف العام من اليهود في الفترة التي عاش فيها بقوله : " اليهود الذين لا يحسنون شيئا من الحيل ، ولا أتاهم الله شيئا من أسباب القوة ، وإنما شأنهم التخابث والسرقة ، والتطاول والخضوع ، مع شدة العداوة لله ورسوله « 8 » صلى الله عليه وآله " . وعلى الرغم من ذلك استمرت العلاقة بينهما وهو ما نجده في كتب النوازل التي تفيدنا بمعلوماتها عن ذلك التعايش وذلك الاحتكاك الذي كان بينهما في المجتمع الأندلسي . خاتمة أسفر النظر في علاقة المسلمين باليهود في الأندلس عن أنها علاقات خاصة ومميزة بالنسبة للطرفين وتبرز خصوصيتها بشكل لافت للانتباه بالنسبة لتاريخ اليهود وبالنسبة لعلاقاتهم مع غيرهم سواء أكان ذلك قبل دخول المسلمين الأندلس أم بعد إخراجهم منها . ويدعم هذه النتيجة ما توصلت إليه الدراسات الحديثة . ورغم ما تعرضت له هذه العلاقات وما طرأ عليها من توترات استمرت الطائفتان في العيش المشترك في مجتمع واحد . فالتوتر تزامن مع تعايش سلمي والتعايش السلمي تزامن مع توتر . وعلينا في هذا المقام أن نستحضر ما حدث لابن النغريلة في غرناطة وما قام به ذلك اليهودي الذي سعى في فدية بنات لأحد أعيان أهل بربشتر ، فالأمران حصلا في زمن واحد . ولا شك أن هذا مثال

--> ( 1 ) - ابن الكردبوس عبد الملك التوزري ، تاريخ الأندلس ووصفه لابن الشباط ، تحقيق أحمد مختار العبادي ، في صحيفة معهد الدراسات . الإسلامية في مدريد ، ( 13 ) 1965 - 1966 ، ص 89 ؛ الحميري ، الروض المعطار ، تحقيق إحسان عباس ، بيروت مكتبة لبنان ، ط . الثانية ، 1984 ص 288 . ( 2 ) - هو أحد أبناء أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين المرابطي عين واليا على غرناطة سنة 522 ه - لمدة وجيزة بعد أبي عمر يناله الذي تم عزله ومحاكمته في مراكش بسبب سياسته التعسفية . وشارك أخاه الأكبر أبي بكر بن علي في حماية أحد الحصون في الأندلس ونظم معه بعد ذلك استعراضا جميل الهيئة للجند المرابطي في غرناطة . ثم عزل عن هذه الولاية وعين واليا على فاس سنة 523 ه - . وهو الذي أصاب أخاه سير الذي تسور داره يريد زوجته بجروح خطيرة ، توفي سير بسببها ؛ انظر ابن عذاري ، البيان ، ج 4 ، ص 75 و 77 و 97 و 99 ؛ ابن القطان الكتامي أبو محمد بن علي بن محمد ، نظم الجمان ، تحقيق محمود علي مكي ، بيروت ، دار الغرب الإسلامي ، 1990 ، ص 155 وهامشها رقم 2 وص 267 . ( 3 ) - ابن عذاري ، ج 4 ، ص 76 - 77 . ( 4 ) - هو أبو عمر يناله أحد أفراد المجتمع السياسي المرابطي عين عاملًا على غرناطة . كان متعسفا جائرا في سياسته وكانت له تجاوزات في العِقاب ، وكان لا يأبه لشكاوى المتظلمين لديه . فعجلت تصرفاته هذه بعزله في أثناء غيابه عن غرناطة وتعيين ابن أمير المسلمين علي بن يوسف أبي عمر حفص . وتمت محاكمة يناله بمراكش بحضور أمير المسلمين ، وحكم عليه بالسجن ؛ ابن عذاري ، ج 4 ، ص 75 وص 77 ؛ عز الدين جسوس ( 2002 ) السلطة السياسية وموقف الرعية بالمغرب والأندلس خلال حكم المرابطين ، أطروحة دكتوراه الدولة ، الجديدة ، ج 2 ، ص 326 - 327 . ( 5 ) - ابن عذاري ، ج 4 ، ص 77 . ( 6 ) - ابن القطان ، نظم ، ص 243 ؛ ابن عذاري ، ج 4 ، ص 93 . ( 7 ) - القادري ( 1998 ) ، ص 100 . ( 8 ) - قال أبو الحسن بن الجد في هذا الصدد ، ابن بسام ، الذخيرة ، ق 2 ، ج 2 ص 562 : تحكمت اليهود على الفروج * وتاهت بالبغال وبالسروج وقامت دولة الأنذال فينا * وصار الحكم فينا للعلوج فقل للأعور الدجال هذا * زمانك إن عزمت على الخروج وكذلك ما نظمه السميسر أبو القاسم بن خلف بن فرج ضد ما قام به باديس بن حبوس ، ولاقت أبياته انتشارا واسعا وسريعا في الأندلس ، السلفي أحمد بن محمد ، أخبار وتراجم أندلسية ، إعداد وتحقيق إحسان عباس ، بيروت ، دار الثقافة ، 1405 / 1985 ، ص 38 وص 83 - 84 : فزمانا تهودا * وزمانا تنصرا وسيصبو إلى المجوس إن الشيخ عمّرا أو ما نظمه أبو القاسم ذوبان بن عتيق الكاتب المهدوي : يا أهل دانيةٍ لقد خالفتم * حكم الشريعة والمروّة فينا ما لي أراكم تأمرون بضد ما * أَمَرَت ، ترى نسخ الإله الدِّينا كنا نطالب لليهود بجزية * وأرى اليهودَ بجزية طلبونا ما إن سمعنا مالكا أفتى بذا * لا لا ولا من بعده سحنونا