نخبة من الأكاديميين
177
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
آش والمناطق التابعة لها لابن صمادح صاحب المرية . ونظم أبو إسحاق الإلبيري « 1 » قصيدة صور فيها التجاوزات التي عملها ابن النغريلة مع مساعديه من اليهود . وتحمل القصيدة تحريضا على الثورة لإنهاء الوضع ، كما أنها ترسم العلاقات التي غدت متوترة بين المسلمين واليهود بغرناطة . وعملت هذه القصيدة عملها الدعائي في أهل المدينة فذاعت أبياتها وتداولها الخاص والعام « 2 » . يضاف إلى ذلك انتقادات ابن النغريلة جاهر بها ضد الإسلام واستهزاؤه بالقرآن وهذا ما عبر عنه ابن بسام بقوله : " وجاهر بالكلام في الطعن في ملة الإسلام " « 3 » . فبدا للصنهاجيين عمل يوسف الدؤوب من أجل إسقاط حكم بني زيري بغرناطة « 4 » . فثار أهل غرناطة على يوسف بن النغريلة وقتلوه وقتل معه من اليهود حوالي أربعة آلاف ممن كان من اليهود بالمدينة « 5 » . ويتضح جليا أن العامة كانت تتحين الفرص للانقضاض على الوزير اليهودي بسبب التطاول الذي لم يعد يطيقه لا رعية غرناطة ولا أصحاب السلطة . إن ما حدث لابن النغريلة يوضح لنا من جانب الحظوة التي تمكن اليهود من الوصول إليها في علاقاتهم مع المسلمين ومع حكامهم ويتضح لنا من جانب آخر أن ما حدث من تقتيل لم يكن أمرا مخططا له وليس سببه نقمة مجانية أو له علاقة بالدين اليهودي بل كان بسبب سياسة وتصرفات ودسائس ومؤامرات أوصلت ابن النغريلة وأعوانه إلى ما وصلوا إليه . ثم إن ما حدث انحصر في غرناطة فقط ، فحسداي بن شبروط لم يصل إلى مثل هذه النهاية ولا حتى إسماعيل بن النغريلة . وما حدث كان من الممكن أن يحدث لأي شخص آخر أو لأي طائفة أخرى بغض النظر عن انتماءاتها . يتضح جليا من أقدم النصوص التي بين أيدينا وحتى مما توصلت إليه الدراسات الحديثة « 6 » أن لا علاقة للحادث بأي تدبير خاص بيتته السلطة السياسية ، وأن ما حدث في غرناطة لم يتعد غرناطة ولم يصب باقي يهود الأندلس . ولهذين الاعتبارين ارتباط عميق بالعلاقات التي كانت بين المسلمين واليهود ، وهو ما يؤكد في أحد جوانبه ما توصلنا إليه من قبل ، من أن العلاقات بين المسلمين واليهود كانت متشابكة ومتداخلة في مجالات عديدة وفرضت التعايش بين كلتا الطائفتين . وعندما كانت بلنسية تعاني من وطأة الأعمال التخريبية التي قام بها القمبيطور « 7 » أجبر ابن رذمير « 8 » ملك أرغون « 9 » أهل المدينة أن يعطوه فدية عن أنفسهم واستعمل لجمع الأموال أحد اليهود . واستعمل اليهودي المسؤول كل أنواع التعسف والإكراه والضرب لجباية 000 . 200 مثقال من أهل بلنسية . ويصف ابن عذاري هذه الحالة بقوله : " وبلغ اليهودي في النكال والنكاية ، ومنهم الأمناء الموكلون ، والمتصرفون وأصحاب الرسوم ، وخدام البر والبحر . وجلس اليهودي للقبض من صاحب المدينة بالضرب بالعصا والسوط " « 10 » . كما تولى أحد اليهود منصب السفير بين ألفونسو السادس وملوك الطوائف وهو ما قام به ابن مشعل . وكان لهذا السفير أعمال وتجاوزات انتهت بأن أمر المعتمد بن عباد بقتله بعد أن أفتى الفقيه ابن الطلاع بجواز ذلك لأنه تعدى حدود عمله والمهمة التي تولى القيام بها « 11 » . وتشير المعلومات التي نتوفر عليها مشاركة اليهود في الدسائس ومؤامرات الاغتيال من قبيل ما فعله يوسف بن النغريلة ومن قبيل
--> ( 1 ) - ابن بلقين ، ص 76 . يتضح من هذه العبارة ، أن عبد الله بن بلقين كان على معرفة بالتاريخ الإسلامي ؛ فهو يشبه ما أضحى عليه ابن النغريلة من نفوذ وسلطة بما حصل عليه البرامكة مع الخلفاء العباسيين . والأغلب على الظن أنه يقصد في هذا المقام الحظوة الخاصة التي كانت لجعفر البرمكي عند الرشيد . ( 2 ) - أبو إسحاق إبراهيم بن مسعود الإلبيري ، ديوان أبي إسحاق الإلبيري ، تحقيق ، محمد رضوان الداية ، دار الفكر ، 1411 - 1991 ، ص 107 - 112 ، جاء فيها : لقد زل سيدكم زلة * تقر بها أعين الشامتين تخير كاتبه كافرا * ولو شاء كان من المسلمين فعز اليهود به وانتَخوا * وتاهوا وكانوا من الأرذلين إلى أن يقول في التحريض على ابن النغرية وأعوانه : ويضحكُ منا ومن ديننا * فإنا إلى رَبنا راجعون وإن قُلت في مالِه إنه * كمالك كنت من الصادقين فبادر إلى ذبحِه قُربة * وضحى به فهو كبش سمين ولا ترفع الضغط عن رهطه * فقد كنزوا كل علق ثمين وفرق عداهم وخذ مالهم * فأنت أحق بما يجمعون ولا تحسبن قتلهم غدرة * بل الغدر في تركهم يعبثون ( 3 ) - ابن الخطيب ، الإحاطة ، ج 1 ، ص 440 . ( 4 ) - الذخيرة ، ق 1 ج 2 ن ص 766 ؛ ابن حزم رسالة في الرد على ابن النغريلة اليهودي ، ضمن رسائل ابن حزم ، ج 3 ، ص 17 - 19 وص 41 - 70 . ( 5 ) - ابن بلقين ، ص 77 وص 83 - 86 ؛ ابن بسام ، ق 1 ، ج 2 ، ص 768 ؛ ابن عذاري ، ج 2 ، ص 265 - 266 . ( 6 ) - ابن بلقين ، ص 86 ؛ ابن بسام ، ق 1 ، ج 2 ، ص 769 ؛ ابن عذاري ، ص 266 ؛ ابن الخطيب ، الإحاطة ، ج 1 ، ص 440 . ( 7 ) - على سبيل المثال : عنان محمد عبد الله ( 1988 ) ، دول الطوائف ، القاهرة ، مكتبة الخانجي ، ط 3 ، ص 133 - 138 ؛ Suarez Fernadez Luis ( 1983 ) , Les Juifs p . 58 - 61 ; Barkai ( 1994 ) , Introduction , p . 21 - 22 ( 8 ) - هو Rodrigo Diaz de Vivar ويلقب بالسيد القمبيطور El Cid Campeador أي " السيد المحارب " ، و El Cid من الكلمة العربية السيد . وتسميه المصادر العربية " لذريق " أو رذريق " أو الطاغية رذريق . وهو أحد الفرسان المحاربين الأشداء ، أبرز قدراته العسكرية مع المسيحيين ومع المسلمين . ربطته علاقات عدائية بسبب الصراع على السلطة بألفونسو السادس . وخدم بني عباد في إشبيلية ثم انتقل إلى خدمة بني هود بسرقسطة . وتمكن من الاستيلاء على بلنسية سنة 487 ه - / 1094 م . وعاش أهلها أياما عصيبة من جور وظلم وتعسف إلى أن تمكن المرابطون من استرجاعها سنة 492 / 1099 ؛ ابن عذاري ، ج 4 ، ص 31 - 42 ؛ وحسين مؤنس ( 1950 ) السيد القمبيطور وعلاقته بالمسلمين ، في المجلة التاريخية المصرية ، م ( 3 ) ، ع 1 ن ص 37 - 87 ؛ عنان ( 1969 ) دول الطوائف ، ص 231 - 240 . ( 9 ) - ابن رذمير هو ألفونسو المحارب صاحب أرغون Alfonso el Batallador واسمه Alfonso Sanchez . حكم أرغون ونبرة ما بين 499 ه - و 529 ه - / 1104 - 1134 . وهو الذي استولى على سرقسطة سنة 512 ه - / 1118 واتخذها عاصمة لملكه وقام بحملة جريئة على الأندلس انطلاقا من سرقسطة وصل خلالها إلى السواحل الجنوبية الشرقية دون أن يتعرض لمقاومة تذكر . وقد أصبح من أقوى الملوك المسيحيين بعد زواجه من أوراكا ابنة ألفونسو السادس ؛ ابن عذاري ، ج 4 ، ص 69 - 70 ؛ ابن القطان ، نظم الجمان ، ص 152 ، والهامش 1 من الصفحة ذاتها ؛ عنان ( 1964 ) عصر المرابطين وبداية الدولة الموحدية ، القاهرة ، مطبعة لجنة التأليف والترجمة ، ص 113 . ( 10 ) - تجاور مملكة أرغون مملكة سرقسطة من ناحية الشمال ، وظهرت المملكة عندما قسم سانشو الكبير المملكة بين أبنائه الأربعة فكانت أرغون من نصيب ابنه راميرو وانتهت في يد ألفونسو المحارب بعد فترة من الصراعات بين الممالك المسيحية ؛ عنان ( 1988 ) دول الطوائف ، ص 405 - 406 . ( 11 ) - ابن عذاري المراكشي ، البيان المغرب ، بعناية إحسان عباس ، بيروت ، دار الثقافة ، 1406 / 1985 ج 4 ، ص 41 .