نخبة من الأكاديميين

176

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

علاقة تعايش داخل مجال سيادته « 1 » . وكان باديس يعي جيدا رغم اعتماده المصلحة السياسية في تعيين إسماعيل ثم ابنه يوسف أن اليهود أهل ذمة يعيشون تحت سلطة المسلمين . والشعور بوجود سلطة لغير المسلمين على المسلمين أمر كان يرفضه الفقهاء والرعية المسلمة ويعملون على محاربته . وبعد وفاة إسماعيل استطاع يوسف أن يخلف أباه في منصبه « 2 » . إلا أن الابن لم يكن له من السياسة والتدبير ما كان للأب . فاتبع يوسف بن النغريلة سياسة إدارية ومالية أحنقت رعية غرناطة « 3 » ولم يستطع باديس الذي كان يتحاشى امتعاض المسلمين من السياسة المالية ومن الجباة اليهود للحد من تفاقم الوضع بسبب دهاء يوسف ومكره . ورغم حرص باديس على إعطاء توجيهات وأوامر بعدم إظهار يوسف لسلطته وممارستها على المسلمين لعلمه بخطورة الأمر فقد كان يوسف يتجنب اتباع إرادة الحاكم وكان يأمر عماله ومن يثق بهم بعكس ذلك « 4 » . فكان ابن النغريلة بعمله هذا يخالف سياسة أبيه ويصعد من حنق المسلمين عليه وعلى أتباعه . وزاد من حدة هذا الشعور إفراط يوسف في استعمال اليهود في المناصب الإدارية والمالية « 5 » حيث فأقم بتصرفه هذا التذمر الذي نشأ في حياة أبيه . وتؤكد المصادر على سبب آخر كان عاملا رئيسا في ما حدث ليوسف بن النغريلة . ذلك أن الرجل ونظرا للسلطة التي تمتع بها وللمحافظة على منصبه أعمل الدسائس والمؤامرات داخل قصر باديس الذي غدا شيخا عاكفا على الشراب . وكان التخطيط للمؤامرات في حياة إسماعيل الأب الذي دبر لابنه خطة من أجل الاستفراد بالسلطة وتنحية كل ذي حظوة عند الحاكم الغرناطي « 6 » . ونجحت الخطة وأصبحت ليوسف اليد العليا في البلاط وفي السياسة والأكثر من ذلك استخدم عيونا وجواسيس داخل القصر للتجسس على باديس وعلى الأسرة الحاكمة التي كانت تتحين الفرص من أجل القضاء على ابن النغريلة ونفوذه . وعندما يئس أفراد هذه الفئة من إقناع باديس بالخطر الذي أصبح يمثله يوسف لجأوا إلى ولي عهده بلقين الذي تبنى رأيهم وأخذ يسعى لتنحية وزير أبيه وقتله « 7 » . فما كان من يوسف إلا أن استشار كبار اليهود من مساعديه في قتل ولي العهد والعمل على تنصيب ولي عهد آخر يحافظ عنده ابن النغريلة على حظوته . فكان أن أجمعوا رأيهم على قتل بلقين وتولية أخ له مخمول يسمى ماكسن . وتمكن يوسف من قتل بلقين مسموما وكان الفعل بداية للثورة على اليهود . غير أن الثوار خشوا على أنفسهم من باديس الذي أقنعه ابن النغريلة بأنه لا علاقة له بدم بلقين . وبوفاة بلقين زاد باديس انعزالا وإدمانا على الخمر وسلم جميع أموره ليوسف « 8 » . وكان البلاط وأهل غرناطة على علم بما يفعله ابن النغريلة ، وقد لخص عبد الله بن بلقين بكلمة بليغة واصفا ما وصل إليه وزير جده حيث قال : " وتبرمك اليهودي " « 9 » . ثم تمادى يوسف في مكائده بأن خطط للقضاء على حكم بني زيري بغرناطة ومن الراجح أن فئة من الأسرة الزيرية الحاكمة استغلت حنق رعية غرناطة على يوسف وعلى أعوانه من اليهود بسبب سياسته الجبائية وما كان يقوم به من إضعاف لموقف بني زيري أمام ملوك الطوائف ومن تسليمه لوادي

--> ( 1 ) - ابن بلقين ، ص 68 ؛ ابن عذاري ، ج 2 ، ص 264 ؛ ابن الخطيب ، ج 1 ، ص 438 ؛ إحسان عباس ، رسائل ، ص 9 . ( 2 ) - ابن بلقين ، ص 72 . ( 3 ) - ابن بلقين ، ص 71 ؛ ابن عذاري ، ج 2 ، ص 264 ؛ ابن الخطيب ، ج 1 ، ص 439 . ( 4 ) - ابن بلقين ، ص 72 - 73 ؛ عباس ، إحسان ، ج 3 ، ص 14 . ( 5 ) - ابن بلقين ، ص 72 . ( 6 ) - ابن بلقين ، ص 76 ؛ ابن بسام ، ق 1 ، ج 2 ، ص 766 ؛ ابن عذاري ، ج 2 ، ص 264 ؛ ابن الخطيب ، ج 1 ، ص 439 . ( 7 ) - ابن بلقين ، ص 72 . ( 8 ) - نفسه ، ص 74 . ( 9 ) - ابن بلقين ، ص 75 - 76 ؛ ابن عذاري ، ج 2 ، ص 265 .