نخبة من الأكاديميين
165
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
شكّلوا جزءا " أساسيا " من بنية المجتمع الأندلسي . فعاشوا جنبا " إلى جنب مع المسلمين الأندلسيّين محافظين في الوقت نفسه على هويّتهم الثقافيّة كمجموعة دينية . ولقد وصف Americo Castro هذا التعايُش السلمي بين المسلمين والمسيحيّين الأندلسيين ، إضافة إلى اليهود ، ب - Convivencia التي تعني العيش معا " في تفاعل إحيائي وسلمي . كان المستعربون أندلسيّين كما المسلمين . ولتوضيح هذه المسألة يمكننا مقارنتهم بالمسيحيين العرب في لبنان وسوريا وفلسطين الذين هم مسيحيون لبنانيون أوسوريون أو فلسطينيون . شارك المستعربون مواطنيهم الأندلسيين في العديد من مكنونات هويتهم الثقافية فتحدثوا باللغة نفسها واستخدموا العربية كلغتهم الثقافية الرئيسية ، كما كانوا شديدي التأثّر بفن العمارة والفنون الإسلامية الأندلسية الأخرى . فعلى سبيل المثال ، حملت بعض الكنائس في طليطلة عناصر شبيهة بالتي نجدها في المساجد الأندلسيّة . هذا إضافة إلى البساطة التي تميّزت بها كنيسة San Lucas في تلك المدينة حتى اعتُبرَت نموذجا " مهمّا " في هذا الصدد . وكانت مواد البناء المؤلّفة بشكل أساسي من القرميد وحجر الكلس ، وأسلوب البناء والشكل الهندسي للكنيسة شبيهة بالمواد والتقنيات والأشكال التي استخدمت في بناء المساجد . ويبدو تأثير الفن الأندلسي واضحا " أيضا " في كل الفنون والآداب التي أبدعها المستعربون والإسبان ، حتى قبل الخروج الرسمي للمسلمين من إيبيريا ، كما بعد ذاك الخروج أيضا " . لقد كان التأثير الفكري والحضاري للأندلس على المسيحيين داخل الأندلس وخارجها كبيرا " جدا " لأنّ الثقافة الأندلسيّة هي واحدة من أهم الثقافات العالمية الفريدة والراقية . كانت هذه الثقافة من القرن العاشر إلى القرن الثالث عشر من أكثر الثقافات تطورا " في العالم ، بينما كانت ثقافة الممالك المسيحية في شبه جزيرة إيبيريا محلية ومحدودة إلى حد كبير . وتعكس صور الحكّام المسيحيين في القرن الحادي عشر كما تقدّمها النصوص الأندلسية المعاصرة لها ، التفوق الثقافي للأندلسيين مقارنة بالسلوك والممارسات الفظّة للمسيحيين آنذاك . فعلى سبيل المثال ، يصف أبو عُبيْد البكري نصارى الشمال بأنّهم قذرون لا يغتسلون أبدا " بالمياه الساخنة ويبدّلون ملابسهم مرة واحدة في العام ، لكنّهم محاربون مُخيفون « 1 » . ويصف ابن بسّام مشهدا " يبدو فيه ألفونسو وهو يستقبل بشكل متعجرف مبعوثين يُمثّلون ملوك الطوائف وهم يقدّمون له الهدايا . والطريف أنّه كان يغفو ويشخر بين الحين والأخر قبل أن يستيقظ ليعاود استقبال الوفود التي جاءت إليه مُحمّلة بالهدايا الثمينة . في المقابل قدّم ألفونسو إليهم بعض القرود كهدايا فتقبّلوها بحماسة وخوف في آن « 2 » . كان التفوّق العسكري والسياسي للممالك المسيحيّة في الشمال يتناقض في شدة والتفوّق الثقافي الأندلسي ، ويبدو ذلك التفوق الثقافي واضحا " إذا أخذنا في الاعتبار أنه في حين كان الأندلسيون قد اعتمدوا اللغة العربية كلغة ثقافيّة ودينيّة منتجين بواسطتها أعمالا " أدبية رائعة أبدعها مئات الشعراء
--> ( 1 ) - عبيد البكري وكتاب المسالك والممالك ، ثياب القشتاليين القذرة ( 2 ) - ابن بسام ، الذاكرة ، الفونسو يستقبل الوفود ويهدي قردا .