نخبة من الأكاديميين

164

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

والسيف محدّدين للوضع الاجتماعي للفرد . وشمل الدعم الخارجي لحملة ألفونسو السادس مشاركة الرُهبان من Cluny وبورغاندي فضلا عن الدعم الروحي للبابا . ومع استرداد طليطلة ، وضع ألفونسو السادس الأسس الاستراتيجيّة لعمليّة الاسترداد الكامل للأندلس ( Reconquista ) التي تقدّمَت بشكل كبير مع فتح أهم مدن الأندلس مثل قرطبة وإشبيليا خلال الشطر الأول من القرن الثالث عشَر . وبالتالي فإن علاقات الأندلس السياسيّة والعسكريّة بجيرانها لا تُعتبر كافية لشرح التطور الفريد لثقَافتها ولتعايُش الديانات الثلاث معا " بشكل لا مثيل له في ذلك الزمان . ومن وجهة نظري ، فإنّ التفسير الصحيح لتطوّر هذه الظاهرة التاريخيّة يتمثّل في التواصُل المُستمر الذي حافظ عليه الأندلسيّون مع المشرق . فقد تبنّى الأندلسيّون العربيّة كلُغة رئيسيّة لهم ، وكَتَب كلّ العلماء الأندلسيّون المسلمون أعمالَهم باللغة العربيّة . بل إنّ أكثر الأعمال التي كانت تُكتب بالإسبانية ، عندما تطورت هذه اللغة وأصبحت اللغة المكتوبة خلال القرن الثالث عشر ، قامت على ترجمات من المراجع الأندلسيّة العربيّة . وتُعَد « الحولية العامة الأولى لإسبانيا » The Primera Cronica general de Espana ) ) التي جُمعت من قبَل الملكين ألفونسو العاشر وسانشو الرابع مثالا " مُمتازا " على ذلك . إضافة إلى ما قيلَ عن اللغة ، فقد استُوردَت المالكيّة نفسها من الجزيرة العربيّة . إلّا أنّ الأندلسيّين برَزوا في قدرتهم غير العادية على تُكييّف العناصر الثقافيّة للمشرق لتتلاءم وظروفهم في الأندلس . ونتيجة لذلك فإن المالكيّة كما تطورت في الأندلس لتتناسب مع الحاجات الدينيّة والدنيويّة للمجتمع أصبحت أكثر تعقيدا " ورقيّا " من المالكيّة في مراحلها الأولى على يد مالك بن أنس . إنّ التطور في مجتمع الأندلس الفريد بثرائه الثقافي وبهويّته هو الذي طبع تاريخ القرون الوسطى في كل منطقة البحر المتوسط سواء أكان ذلك خلال وجود الدولة الأندلسيّة أم في المراحل اللاحقة . ولعل تأثير المجتمع الأندلسي وثقافته على ذهنية مجتمعات عدّة عبر المتوسط والذي استدام لقرون ، ما زال مُستمرّا " حتى اليوم فكان أن طبعت هذه الحضارة العالميّة بطابعها تاريخ مجتمعات عدّة عبر المتوسط . لقد شكّلت الأندلس شحنة رمزية هائلة ، لا لأنها دولة وحضارة في آنٍ فحسب ، بل لأنّها مجتمع أثبت نجاحه في نقل ثقافته إلى الأجيال اللاحقة مانحا " إيّاها استمراريّة لم تعرفها سوى قلّة من المجتمعات . ولقد كان الدين أساسيا " في ذلك كله لأنّه لامس كل مناحي الحياة لا للمسلمين الأندلسيّين وحدهم فحسب ، إنما للمسحييين أيضا " . ولهذا فإنّه من المهم جدا " فهم طبيعة العلاقات الإسلاميّة المسيحيّة في تلك التجربة الحضاريّة المتفرّدة . التبادل الفكري والثقافي شكّل التفاعل الثقافي بين المسلمين والمسيحيّين في الأندلس ذروة في الازدهار ، كما شكّل المسيحيّون المستعربون جزءا " كبيرا " من المجتمع الأندلسي بالرغم من اختلافهم الديني ، ومالوا إلى تركيز وجودهم في بعض المدن كما كانت حال طليطلة مثلا " . أمّا العامل الرئيسي الذي يُفسّر التأثير القوي للثقافة الأندلسيّة على المستعربين فيظهر في أنّهم