نخبة من الأكاديميين

163

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

ومسيحييّ شبه الجزيرة الإيبيريّة ، خصوصا " على المستوييْن الثقافي والاجتماعي . ولا يمكن لأي مؤرّخ أن يدرس هذه القضيّة من دون التخلّي عن بعض الأحكام القيمية . ذلك أنّ الوضع كان سيبدو مختلفا " عندما يُنظَر إلى كل من المسلم والمسيحي واليهودي من منطلقه الذاتي ، فكلّ منهم سيركّز على معاييره الخاصّة . إلّا أنّه ممّا لا شكّ فيه أنّ العلاقات الإسلاميّة المسيحيّة في الأندلس تعد فريدة من وجهة نظر مُقارنة . ولقد اعتبر بعض الأكاديميين الغربيّين أن حقوق أهل الذمّة قياسا " إلى واجباتهم في الأندلس لم تكن عادلة ، ولكن في السياق التاريخي للقرون الوسطى كانت أوضاع المسيحيّين واليهود مُميّزة مقارنة بأوضاع المسلمين في الممالك المسيحيّة أو في المدن الأندلسيّة بعد احتلالها من قبل المسيحيّين الذين أصدروا مباشرة قوانين مدينيّة جديدة لتنظيم المدن المحتلّة ، وقد سُمّيَت هذه القوانين ب - « repartimiento » وتهدف إلى إعادة تنظيم وبناء الإدارات المدينيّة للمدن المُسترَدّة بالاحتلال . درَس علماء التاريخ المُتخصّصون بالقرون الوسطى قوانين إعادة تنظيم المدن المهمّة مثل قرطبة وإشبيليا خلال القرن الثالث عشر ، فوجدوا أنّ الهدف الرئيسي لإدارة المدن كان تحويل المجتمع الإسلامي في الأندلس إلى مجتمع مسيحي ؛ إذ كان على الأندلسيّين الذين ظلّوا في الأندلس الاختيار بين المنفى وتغيير دينهم بالقوة . ولقد أنشأت الكنيسة الكاثوليكيّة مؤسّسة خاصّة تُدعى المحكمة الكاثوليكيّة ( محاكم التفتيش ) وكانت تُعنى بمراقبة صدقيّة هؤلاء الذين غيّروا دينهم وتُحاول في الوقت نفسه مُعاقبة المتظاهرين بالتديّن المسيحي إمّا بالتعذيب أو بالإعدام كما سبق وأشرنا . وبالمقارنة بالمجتمع الإسلامي في المغرب ، يُعتبر المجتمع الأندلسي أكثر انفتاحا " وتسامحا " ، إذا أخذنا في الاعتبار علاقاته الوثيقة بالمسيحيّين . إلّا أنّ الأندلسيّين دفعوا ثمنا " غاليا " لإهمالهم المؤسّسة العسكريّة التي كانت ضعيفة بالمُقارنة مع المؤسّسة العسكريّة التابعة للممالك المسيحيّة التي كانت تهدّد الأندلسيين دائما " من الشمال . وربّما يمكن تفسير هذا الإهمال من جانب الأندلسيّين بأنّهم بنوا حضارتهم المدينيّة من دون الأخذ في الاعتبار احتمال تهديدهم من الشمال أو حتى من الجنوب ، ولكن سرعان ما تحولت هذه التهديدات إلى حقيقة واقعة عندما أسقط ألفونسو السادس ملك قشتالة وليون مدينة طليطلة في عام 1085 وسيطر المرابطون بقيادة يوسف بن تاشفين على معظم ولايات الطوائف الأندلسيّة بعد انتصاره في معركة الزلاقة في السنة التالية . وكان انحلال الأندلس نتيجة عمليّة طويلة الأمد تمثلت بالتناقض بين التوجه المدني للمجتمع الأندلسي وعسكرة المجتمع المسيحي في الشمال وبصورة خاصّة مجتمع قشتالة . وما ساعد في تقوية هذه العسكرة النصرانيّة هو التحالف بين مملكة قشتالة وليون والكنيسة الكاثوليكيّة التي اغتنَت بامتلاكها مساحات كبيرة من الأراضي التابعة للسلطة السياسيّة للمملكة . وبالتالي كانت هناك مهمة إيديولوجية قوية يتعين على الجهاز العسكري تحقيقها ، وتتمثل بدمْج الأندلس قسريا " وكليا " في صلب المجتمع النصراني ، وما جعل هذا ممكنا " هو التنظيم العسكريّ لهذا المجتمع في الشمال حيث كان امتلاك الحصان