نخبة من الأكاديميين

159

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

معلومات فريدة ، إذ يعرض ابن الحاج لحالات بالغة الجدّة " . وهذه الحالات تعكُس الحجج الفقهيّة للحكم على قضايا غير مسبوقة تعود إلى الاحتكاك اليومي بين المسلمين والمسيحيّين في قرطبة خلال القرن الحادي عشر ، وتركّز على النُقاط الآتية : 1 - كفل الفقه المالكي في الأندلس حقوق المسيحيّين ، خصوصاً عند تخاصمهم مع المسلمين . وقد ميّز هذا الفقه بين مسيحييّ الذمّة لكونهم يحظون بامتيازات لا يحظى بها المسيحيون من غير أهل الذمّة . ففي إحدى القضايا الخلافية بين مسيحيين : أحدهما ذمي ، لم يدن القاضي المسيحي غير الذمّي لأنه لم يكن على علم بحقوق الذمي « 1 » . 2 - تبدو عدالة بعض القُضاة الذين حكموا في نزاعات بين المسلمين والمسيحيّين واضحة من خلال الحكم في قضية مسيحي اشترى حيوانا " ، وربما كان حصانا " أو بغلا كان قد سُرقَ قبلا " من مُسلم أندلسي . وهذا الأخير تعرّف على حيوانه وادّعى ملكيته . درس القاضي القضيّة واستمع إلى حجّة الأندلسي المُدّعي بأن البَغْل مُلكه ، وبعدما أقسم الأخير بأنّ البغل له ، أصدر القاضي حُكما " يطلب فيه من الأندلسي استرداد بغله . فما كان من المسيحي إلّا أن لجأ إلى قاض أعلى ، صادف أنّه ابن رُشْد ، فأعاد النظر في القضيّة من جديد ، ليقرر ابن رُشْد أنّ المسيحي هو الذي يجب أن يأخُذ البغل ولكنّه يجب عليه دفع غرامة صغيرة تّغطّي المصاريف التي أنفقها المُسلم على البغل في الفترة التي كان فيها البغل في عهدته . وبعدها وافق ابن الحاج على قرار ابن رُشْد قائلا " إنّ ابن رُشد استشاره في المسْألة وأيده في ما حكم به . وهذا مثال جيّد على مدى دقّة القضاة الأندلسيّين ومدى تمسّك بعضهم بالعدالة والإنصاف « 2 » . 3 - تُبَيّن بعض القضايا الخلافية بين مسيحيي ومُسلمي الأندلس كيف أن السُلطة السياسيّة لم تكُن فوق القانون الإسلامي المالكي في أندلس القرن الحادي عشَر . وذلك كما في حالة أندلُسي أرادَ بيْع أسير مسيحي كعبْد للأميرعلي بن يوسف . أصدر ابن الحاج حكما " قال فيه إنه يجب أن يُعامل الأسرى المسيحيون الذين لم يُخالفوا أيّا " من القوانين كأهل ذمَة ولا يحقّ لنا أن نتخذهم عبيدا ( أبو عبد الله بن الحاج ، نوازل ابن الحاج السيدة الظريف ، غير مصنف ، صفحة 104 - 105 ) . 4 - طَبّق القُضاة الأندلسيّون في القضايا المتنازع فيها بين المسلمين والمسيحيّين القوانين التي اعتُمدَت في دار الإسلام ، إلّا أنّها حافظت على احترامها للمسيحيّين ، من قبيل قضيّة لمسيحي كَتَب وصيّته واهبا " كلّ ثروته لكنيسة قائمة في دار الإسلام . فأصدر ابن الحاج حُكما " في هذا الصدد قائلا " إنّ ثُلْث هذه الممتلكات فقط يذهب إلى الكنيسة بينما يذهب الثلْثان إلى الأعمال الخيريّة الإسلاميّة . وأعقب حُكمه هذا بالقول إنّ الحُكم نفسه كان سيُطبّق لو كانت هذه وصيّة مُسلم . وأضاف ابن الحاج أنّه لو كانت وصيّة المسيحيّ تقضي بأن يهب ثرْوتَه للجامع لكان هذا غير مقبولا " أيضا " ولكان حصَل الشيء نفسه « 3 » . 5 - لقد أثّرت بعض قضايا التنازع على العلاقات بين المسلمين لدى مهاجمتهم من قبل مسيحيين .

--> ( 1 ) - أبو عبد الله بن الحاج ، نوازل ابن الحاج ، مكتبة عاشور الخاصة مخطوطة غير موثقة ، تونس ، ص . 16 ( 2 ) - أبو عبد الله بن الحاج ، نوازل ابن الحاج ، مكتبة السيدة الظريف المسجدية في منطقة سوس ، المغرب ، غير موثقة ، ص . 83 ( 3 ) المصدر نفسه ، ص . 186