نخبة من الأكاديميين
160
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
فعندما هاجم النصارى حُصْن ( Shaqura ) الشاكورا ، استخدم أندلُسي حصان جاره للهرب من الجنود الذين لاحقوه ثم ترَك حصان جاره وراءه فأخذه النصارى . وحدث أن طالب صاحب الحصان بالتعويض عما جرى له ، لكنّ القاضي المسلم رفض طلبه نظرا " إلى الظروف التي استولى فيها الأندلسي على حصان جاره « 1 » . 6 - تُؤكّد بعض الدعاوى القضائية إدراك المغَاربة أنّ بعض الفقهاء الأندلسيّين هم الأعلم في المسائل التي تخُصّ العلاقات بين المسلمين والمسيحيّين نظرا " لخبراتهم الواسعة في قضايا النزاع بين المسلمين والمسيحيّين في الأندلس . من هذه القضايا أن مجموعة مسيحيّين في الأندلس كانوا قد عبَروا مضيق جبل طارق ليسْتقرّوا في مراكش بناء " على طلَب من قائد المرابطين الأمير علي بن يوسف بن تاشفين ، واستأذنوا الأمير نفسه ببناء معبَد لهم ، فأرسل الأمير رسالة إلى القاضي الفقيه ابن الحاج سائلا " عن نصيحة قانونيّة في هذه المسألة . فأصدَر ابن الحاج حُكما " يقول فيه إنّه يمكن للمسيحيّين أن يبْنوا كنيسة واحدة للعبادة ولكن من دون أجراس ، إذ يحقّ للمسيحيّين ممارسة شعائرهم الدينية وفقاً للشرع الإسلامي . إلا أن مسلمي الأندلس كانوا يخشون من أن يتعاون هؤلاء المسيحيّون مع مسيحيّي الشمال الذين كان المسلمون في حرب معهم . وربّما كانت أجراس الكنيسة مرتبطة في أذهانهم بمسيحييّ الشمال « 2 » . 7 - تُبيّن هذه القضايا حقيقة الحياة الاجتماعيّة في الأندلس ، وكيف حاول القُضاة تطبيق الشريعة الإسلامية وفاقا للمذهب المالكي في ظل الظروف الاجتماعيّة المتغيرة التي عكسَت العلاقات بين المسيحيّين والمسلمين وكيف تكيّف القانون وفاقا " لهذه التغيرات . ومن هذه القضايا المُشوقة قضيّة أندلُسي وافَق على أن يكتب منزله لصالح زوجته النصرانية إن هي اعتنقَت الإسلام ووافقت الزوجة على الشرط ، لكنّها للأسف ماتت قبل أن تتمم الإجراءات الشرعيّة لمُلكيّتها المنزل فكان أن حكم القاضي بأن المنزل مُلك ورثتها « 3 » . لقد أخذَت هذه القضايا في الاعتبار التفاصيل الدقيقة المتصلة بها ، لأنّ الحكم الذي يصدر يجب أن يكون مُبَرّرا " بحُجج شرْعيّة . وهذا أمر ينطبق على كل قضيّة . وفي أغلب الأحيان كانت تُقَدّم حجج مختلفة لتُبرّر استنتاجات مُختلفة أو مُتناقضة لأن هذه النوازل كانت بمثابة دليل قضائيّ لقضايا لم تكن شائعة ، إلا أنها ظهرت كنتيجة للتحولات الاجتماعيّة التي ميّزت المجتمع الأندلسي ، والمغربي أيضا على حدّ سواء . العلاقات الاجتماعيّة : المالكيّة ( المذهب المالكي ) شكّلت المالكيّة الإطار العدْلي أو القضائي للأنشطة الدينيّة في الأندلس . إذ فُرض في بلاد الأندلس والمغرب لقرون طويلة المذهب الفقهي الذي كان أسّسه في المدينة المنوّرة الإمام مالك بن أنَس في القرن
--> ( 1 ) - المصدر نفسه ، ص . 53 ( 2 ) - المصدر نفسه ص . ص . 48 - 49 ( 3 ) - أبو عبد الله بن الحاج ، نوازل ابن الحاج ، مكتبة بن يوسف ، ص 16