نخبة من الأكاديميين

155

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

ظروف جديدة ، وعلى التقدّم بحسب تحولات داخليّة وخارجيّة موضوعية وذاتية يُمكن شرحها فقط من خلال تعقيدات هذا المجتمع . أي من خلال ملامحه الفريدة من جهة ، ومن خلال تناقضاته من جهة أخرى . كما يمكن دراسة عامل آخر مهم في هذا المجتمع ، هو هذه الاستثنائيّة في طبيعة المجتمع الأندلسي المُتغيّرة على مر ثمانية قرون من وجوده ، وهي استثنائية كما الغيوم في يوم عاصف مُضيء ، سرعان ما يتغيّر شكلها وحجمها كُليّا " خلال فترة زمنيّة قصيرة . هكذا هو المجتمع الأندلسي الذي دأب على التغيير بشكل جذري على مدى ثمانية قرون . بمعنى أنّ بُنيَته الاجتماعيّة خلال عصر بني أُميّة وعصور ملوك الطوائف والمرابطين والمُوحدين ، ومن ثم النصارى ، قد تغيّرت إلى درجة أصبح من الصعب التمييز فيها بين فترة وأُخرى ، وبالتالي فإنّ الفترة الطويلة للتاريخ الأندلسي وتطوره الفريد وتفاعله مع مُستويات عدّة داخليّا " ومع الممالك المسيحيّة الشماليّة ومع المغرب والمشرق . . . كل هذه العوامل ساهمت بشكل أو بآخر بجعل التاريخ الأندلسي فريدا " بثقافته العالميّة وحضارته معا " . وبدلا " من الانصهار في مجتمع واحد ، امتزج المسلمون والمسيحيّون واليهود معا " في شكل ليّن ليُشكّلوا مجتمعا " واحدا " هو بالرغم من حفاظه على كلّ الضعف البشري الذي تتميّز به كل المجتمعات تقريبا " تمكن من البروز كمجتمع فريد في تسامحه ومسالمته . والمجتمعات التي تمكنت من أن تكون فاتنة ونموذجية إلى هذه الدرجة هي مجتمعات نادرة في التاريخ الإنساني ، فهي ( الأندلس ) استطاعت أن تطبع مجتمعات وثقافات عدّة وأن تبقى خالدة في الذاكرات الجمعيّة وفي مُخيلات الباحثين في مُجتمعات عدّة وأن تطبع أيضا " الهويّة الثقافيّة الجمعيّة لعدد من الشعوب ولقرون عدّة ، خصوصا أنها تعرضت للإبادة سياسياً ومادياً . لقد استطاعت الأندلس البقاء كحضارة عالميّة بعد الاسترداد النصراني لها كما كان حالها خلال ثمانية قرون من الوجود التاريخي ككيان سياسي . ولقد نجحت الأندلس في البقاء من خلال مجتمعات عدة . فهي استمرّت بالوجود طويلا " بعدما زالت ماديا . بل إن التقاليد والفنون الأندلسيّة لا تزال موجودة بين المسلمين في المدن المغربيّة التالية : مكناس ، فاس ، تطوان ، الرباط وأصالة . كما أنّ تأثير الثقافة الأندلسيّة لا يزال جليّا " في مُختلف أنحاء إسبانيا كالمناطق الشرقيّة التي كانت تُعرف بالشرق الأندلسي وبصورة خاصّة في الجنوب في مقاطعة أندلوسيا . وكونهم مُتحدرين من سكان الأندلس المسلمين ، يُعتَبر سكّان الأندلس المسيحيّون بلا شك الأكثر تمثيلا " للتُراث الثقافي الأندلسي . ولقد زعم اليهود أيضا " أنّ التراث الثقافي اليهودي للأندلُس شكّل أحد المُكونات الرئيسيّة لهويّتهم الثقافيّة ، كما اعتبروا أنّ علماء اليهود الأندلسيّين أمثال ابن ميمون وإبراهيم بن النغريلا هم من أهم المُثقّفين وعلماء الدين في التراث اليهوديّ . وبالرغم من ذلك كلّه ، فإنّ العلماء المسلمين هم الذين حازوا اعتراف العالم وهم الذين اعتُبروا الأكثر تمثيلا " للتراث الأندلسيّ في التسامح أمثال ابن حزم وابن رشد وابن عربي . ولقد اعتُبر أنّ كلّ عالم من هؤلاء هو نتاج للتفاعل بين المسلمين والمسيحيّين . وابن حزم هو مؤلّف لعمل رائد في الديانات المقارنة قام من خلاله بمقارنة الإسلام