نخبة من الأكاديميين
150
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
محاربتهم ، نظر المستعربون إلى أنفسهم كأنهم جزء من النظام الثقافي والاجتماعي نفسه بالرغم من الاختلاف الاعتقادي مع المسلمين ، ولهذا فإنّ العيش مع المسلمين الأندلسيين كان في نظرهم طبيعياً وضرورياً . ومن جانب خر ، اختلفت نظرة المسلمين الأندلسيين إلى المستعربين والكاثوليك فاعتبر الأندلسيون أن المستعربين أقليّة محميّة تتمتع بحرية دينية كاملة وتمثّل في الوقت نفسه التنوع في الثقافة والهوية الأندلسيتين ، إذ يشارك المستعربون المسلمين الأندلسيين الّلغة العربيّة والثقافة نفسها ولم ينظر إليهم يوما " كأعداء بسبب الاختلاف الديني . ولقد ساهم الشرع الإسلامي في تعزيز ذلك ، إذ حمت الدولة الإسلاميّة المستعربين كما حمت اليهود ، فتمتّعوا إلى جانب حماية ممتلكاتهم ، بحقوق وواجبات معينة داخل الدولة الأندلسيّة . أما القوانين التي طُبّقت على المستعربين في أوقات الحرب فكانت نفسها التي طُبّقت في أوقات السلام ، الأمر الذي لم يطبق على العلاقة بالكاثوليك الذين كانوا في حالة حرب معهم . وفي المقابل ، نظر المسلمون الأندلسيون إلى المسيحيين الكاثوليك في الشمال نظرة مختلفة . إذ كانت الأندلس دائما " في حالة هجوم أو هجوم مضاد من قبل الممالك المسيحيّة القائمة في القسم الشمالي من شبه جزيرة إيبيريا . واعتبر الطرفان بعضهما عدوّين وكافرين ، وبالتالي فإن الحرب كانت مشروعة ضد الكافرين . وفي بعض الحالات ، كان البابا يبارك السياسات العدوانية ضد المسلمين الأندلسيين . وبالتالي فإنّ العلاقة بين المسلمين الأندلسييّن وكاثوليك الممالك المسيحيّة لم تبن أبدا " على أساس الحوار أو التعايش المشترك ، ولكن على القوة الفجة . والجدير بالذكر هنا أنّ الصراع على السلطة في الأندلس وفي شبه جزيرة إيبيريا تخطّى الحدود الطائفيّة بمعنى أنّ الصراع الداخلي بين المسلمين والمسلمين وبين المسيحييّن والمسيحييّن يمكن أن يُفسّر من خلال عوامل عدّة لم تكن الطائفية دائما " العامل الرئيسي فيها . في عصر ملوك الطوائف ، برزت أمثلة كثيرة على العوامل غير الطائفيّة كأسباب أساسيّة تكمن وراء الصراعات العسكرية والسياسية . فعلى سبيل المثال ، اصطدم المعتمد بن عبّاد ، حاكم إشبيليا بملوك الطوائف في قرطبة والروندا وهزمهم في النهاية ، كما هزم أيضا حاكم غرناطة الذي كان في مُواجهة دائمة معه . وفي هذا السياق ، أبدى حاكم غرناطة عبد الله بن بوليجين استغرابا " شديدا " لما يُظهره حكّام الطوائف المسلمون كحاكم إشبيليا من عداء مستشر ضدّ دولته . ومن جهة أُخرى ، تنازع ملك قشتالة وليون ألفونسو السادس مع إخوته على خلافة والدهم الملك فرديناندو ومع آخرين مثل : السيد القبيطور ، فقد كانت هناك صدامات بين المسلمين والمسيحيين ، ولكن كان هناك في الجهة المقابلة تحالفات مثل التحالف بين السيد وحاكم سَرَقسطة . ولهذا نجد أنّ العلاقات العسكريّة والسياسيّة بين المسلمين والمسيحييّن أثّرت في شكل واضح في علاقاتهم على المستوى الاجتماعي والديني والثقافي . إلا أنّ هذه العلاقات لم تكن خاضعة كُليّا " للانقسامات الدينيّة الجليّة بالرغم من أنّها كانت دائما " قائمة ومهمّة .