نخبة من الأكاديميين

128

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

السياسي . وقد شرعت هذه البورجوازية الأوروبية في التطلع نحو النفوذ والسلطان ، فانتعشت لذلك لحياة الاقتصادية وأصبحت التجارة تشكل حجر الزاوية في هذه النهضة ، حيث غدت أساطيل لجمهوريات الإيطالية تجوب البحر المتوسط طولا وعرضا ، وأفضى ذلك كله إلى تكوين فائض اقتصادي وجب البحث عن أماكن لتسويقه . ولمّا كان الغرب الإسلامي أقرب المناطق إلى المدن لمتوسطية التجارية ، فضلا عن وجوده في طريق الذهب ، فقد رنى التجار الأوروبيون بأبصارهم إليه ، وبادروا إلى عقد معاهدات سلمية وتجارية مع حكامه « 1 » . ولما كانت الكنيسة ترعى هذه المصالح التجارية وتباركها ، فقد بعثت بأساقفتها وقسيسيها إلى مختلف المدن المغربية للسهر على الحياة الروحية للتجار المسيحيين وتنظيم حياتهم الدينية ، فكان هذان المظهران أساسين في الحضور المسيحي بالغرب الإسلامي . وعلى غرار البلدان الأوروبية المسيحية ، بدأ الغرب الإسلامي يشهد في العصر الموحدي - ولو بوتيرة أقل صحوة تجارية بفضل إحكام الموحدين قبضتهم على طرق التجارة الصحراوية ، وتحقيق المركزية السياسية ، فوفّروا بذلك الشرط الاقتصادي للانفتاح على العالم المتوسطي . كما أن دور الوسيط التجاري الذي أصبحوا يضطلعون به ، إلى جانب مراهنتهم على التجارة البعيدة المدى لبناء قوة الدولة ، زاد من رغبتهم في الانفتاح على واجهة الغرب المسيحي . وكان عليهم لخلق شروط إنجاح مشروع سياستهم الانفتاحية العمل على تمتين علاقاتهم مع تجار الغرب المسيحي ، ونهج سياسة التسامح معهم ، واستقطابهم نحو مدنهم وموانئهم الساحلية . يتبين أن الرغبة في إنجاح المشروع التجاري الموحدي عن طريق إقامة علاقات تجارية مع الغرب المسيحي كانت العامل الرئيسي وراء الحضور المسيحي في الغرب الإسلامي ، ولكن كانت ثمة عوامل أخرى نذكر منها : 2 - تقوية الجهاز الأمني للسلطة المغربية : إن تحقيق الأمن الذي كانت السلطة المغربية تصبو من ورائه إلى حماية نفسها من تمردات القبائل المغربية المعارضة ، كان يتم بواسطة جلب كتائب عسكرية مسيحية لاستعمالها كفرق حرس خاصة لحماية الخليفة ، أو كفرق مجندة لإخراس الأصوات المناوئة لنظامه . ولا يبدو للباحث أي جديد في مسألة استقدام العناصر المرتزقة لحماية الأسرة الموحدية الحاكمة ، إذ كان ذلك قد بدأ منذ عصر المرابطين « 2 » . وقد شكلت هذه الظاهرة في الفكر الخلدوني موقعا هاما ، حيث لاحظ بقوة فطنته أنها تقترن بانتقال القبيلة السائدة إلى مرحلة الترف ، وتشتد في أوقات الأزمات لما تستدعيه الظروف من ضرورة التصدي لتمردات القبائل واستئصال شأفتها ، وبالتالي تدعيم القبيلة السائدة . ولمّا كانت الدول المسيحية وخاصة إسبانيا - أقرب المناطق إلى المغرب الأقصى ، فإن جلب فرق عسكرية منها بات مسألة بديهية . إن أول إشارة لظهور كتائب عسكرية من البلدان المسيحية في العصر الموحدي تقترن بعهد الخليفة

--> ( 1 ) - ابتداء من النصف الثاني من القرن 6 ه - / 12 م بدأ تجار مرسيليا والمنطقة المجاورة لها ومونبليه بعقد معاهدات تجارية مع المغرب ، أنظر : Gisele , « Apercu sur les relations de la France avec le Maroc des origines a la fin du Moyen Age » , Hesperis , T XLIV , 3 e et 4 e trimestre , 1957 p : 269 . وعن النشاط التجاري للجالية المرسيلية في سبتة خلال القرن 12 م . أنظر : Caille , « Les Marseillais a Ceuta au XIIIe siecle » dans : Melanges d histoire et d archeologie de l Occident Musulman , Alger 1927 , TII ; pp 21 - 31 ( 2 ) - مؤلف مجهول : الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية ، تحقيق سهيل زكار وعبد القادر زمامة ، البيضاء 1979 ، دار الرشاد الحديثة - مطبعة النجاح الجديدة ، ص 25 .