نخبة من الأكاديميين
129
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
الموحدي أبي يوسف يعقوب المنصور ( 580 - 595 ه - / 1184 - 1198 م ) . فقد شيّد هذا الحاكم قصرين كبيرين حسب رواية مارمول « 1 » ، أو 11 إلى 12 قصرا حسب رواية الحسن بن الوزان « 2 » ، وأسكن فيها عددا من الجند الرومي بلغ عددهم حوالي الألف « 3 » ، بالإضافة إلى نسائهم وأبنائهم . ويبدو أنه استعملهم كحرس خاص ، لا كجند نظامي ما دام الهدوء والأمن كان هو الجو المخيم في عهده . وفي عهد الخليفة المستنصر ( 610 - 620 ه - / 1213 - 1223 م ) ، وهو العهد الذي اقترن ببداية الأزمة الموحدية بعد معركة العقاب سنة 609 ه - ، تزايدت الكتائب العسكرية النصرانية وأصبحت تتكون من مجموعتين : أولاهما كانت توجد في مدينة مكناس تحت إمرة قائد قشتالي اعتنق الإسلام يدعى هو « ابن أخت الفونسو » ، وثانيتهما كانت توجد بمراكش تحت قيادة أمير برتغالي « 4 » . والميزة الرئيسية لهده الكتائب العسكرية المسيحية تكمن في أنها لم تعد كما كان الحال في العصر المرابطي متكوّنة من أسرى الحروب ، بل من رجال أحرار التزموا بخدمة الخلفاء الموحدين بمحض إرادتهم « 5 » . وإذا كنا لا نعرف بالتدقيق المناطق التي أتوا منها ، فمن المؤكد أنهم قدموا من مختلف مناطق الغرب المسيحي « 6 » . وقد أشارت المصادر العربية إلى الوجود المسيحي داخل الجيش الموحدي ، فالمراكشي « 7 » يشير إلى أنه كان لدى المصامدة « جند من سائر أصناف الناس كالعرب والغز والأندلس والروم » . غير أن استخدام الجيش النصراني في العصر الموحدي كان أكثر كثافة وحضورا في عهد الخليفة المأمون ( 627 - 629 ه - / 1229 - 1231 م ) الذي تجذّرت الأزمة في عهده حتى أصبح عهدا مترعا بالاضطرابات التي أسفرت عن إطاحته به من قبل أحد إخوته ، مما حدا به إلى الاستنجاد بأحد ملوك قشتالة لإمداده بحاميات عسكرية بهدف استرجاع سلطته في مراكش . وتختلف الروايات حول عدد الجنود المسيحيين الذين استقدمهم لنجدته حيث جعلهم كل من ابن أبي زرع « 8 » ، والناصري « 9 » اثني عشر ألفا ، بينما حصرهم ابن عذاري في 500 « 10 » ، في حين لم يحددهم ابن خلدون إطلاقا . وقد ناقش أحد الباحثين « 11 » هذين الرقمين ، فرجح أن يكون عدد 500 هو الصحيح ، بينما نميل إلى الاعتقاد أن 12 ألف هو الأقرب إلى الصحة لعدة اعتبارات : منها أن ابن أبي زرع « 12 » في رواية أخرى وردت عند ذكره بيعة الخليفة الموحدي عبد الواحد الرشيد أشار إلى أن قائد الروم كان يركب في عشرة آلاف من إخوانه ، فمن المحتمل أن يكون عدد الجيش النصراني قد انخفض من 12 ألف إلى 10 آلاف إبان الفترة الفاصلة بين الخليفتين . كما أن حملة تستهدف استعادة السلطة كانت تتطلب استقدام هذا العدد الكبير . وإذا كان الإحصاء الذي أفادتنا به المصادر حول عدد الجنود المسيحيين قد وصل في عهد الخليفة الموحدي يعقوب المنصور إلى الألف في جو ساده الأمن والاستقرار ، فكيف بالنسبة لخليفة مثل المأمون الذي أصبح عهده يتسع فيه الخرق على الراقع . ومع ذلك يبدو أن المؤرخين ابن أبي زرع والناصري لم يصيبا الحقيقة في تقويمهما للحدث حين اعتبرا المأمون « أول من أدخل عسكر الفرنج أرض المغرب واستخدمهم بها » ، ذلك أن النصوص التي سبق عرضها تكشف عكس ذلك « 13 » .
--> ( 1 ) - مارمول ، أفريقيا ، الترجمة العربية ، الرباط 1988 - 1989 ، طبعة المعارف الجديدة ، ج 2 ، ص 50 . ( 2 ) - وصف أفريقيا ، الترجمة العربية ، الرباط 1980 ، الشركة المغربية لدور النشر المتحدة ، ج 1 ، ص 105 . ( 3 ) - هذا إذا جمعنا المجموعتين معا اللتين يذكرهما الوزان ، ويذكر Mensage استنادا على ابن أبي زرع بأنه في عهد يعقوب المنصور تمّ ترحيل 3000 امرأة وولد . لكن فاته أن الخليفة الموحدي عفا عنهم وأطلق سراحهم . أنظر : Mensage : Le christianisme en Afrique : Eglise , Mozarabes , esclaves chretiens ; Alger 1915 ; p : 14 وعن الحقيقة التي أغفلها أنظر ابن أبي زرع : روض القرطاس ، تحفيق عبد الوهاب بن منصور ، الرباط 1973 ، دار المنصور للطباعة ، ص 228 . ( 4 ) - DUFOURCQ : « Les relations du Maroc et de la Castille pendant la premiere moitie du XIIIe siecle » , Revue d Histoire et de Civilisation du Maghreb , juillet , 1968 , no 5 ; p 41 ( 5 ) - DEGENIVAL : « L eglise chretienne de Marrakech au XIII e siecle » , Hesperis 1927 , p 73 ( 6 ) - خوسي اليماني : ( ( الكتائب المسيحية في خدمة الملوك المغاربة ) ) ، دعوة الحق ، ع 1972 ، 5 ، ص 35 . ( 7 ) - المعجب في أخبار المغرب ، تحقيق سعيد العريان ومحمد العربي العلمي ، الدار البيضاء 1978 ( ط 7 ) ، ص 43 . ( 8 ) - روض القرطاس ، م ، س ، ص 251 . ( 9 ) - الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى ، طبعة البيضاء 1954 ، دار الكتاب ، ج 2 ، ص 237 . ( 10 ) - البيان المغرب ، قسم الموحدين ، تحقيق إبراهيم الكتاني وآخرين ، بيروت 1985 ، البيضاء 1985 ، دار الثقافة ، ص 284 . ( 11 ) - DUFOURCQ : Op . Cit , p : 43 . ( 12 ) - روض القرطاس ، م . س ، ص 254 . ( 13 ) - أنظر الحلل الموشية ، م ، س ، ص 25 - وكذلك أنظر ابن عذاري : البيان المغرب ، القسم المرابطي ، تحقيق بروفنسال وكولان ، ج 4 ، ص 23 .