نخبة من الأكاديميين
121
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
ابن جبير بأن فتيان القصر كانوا يخرجون خفية من مجلس الملك لأداء صلواتهم « وربما يكونون بموضع تلحقه عين ملكهم فيسترهم الله عز وجل » « 1 » . كما أن اسم هذا الفتى الذي هو " عبد المسيح يحمل " دلالة على أسلوب التقية الذي اتخذه صاحبه لإظهار المسيحية وإخفاء إسلامه . وحسب شهادات ابن جبير ، لم يكن مسلمو بالرمة يعيشون في طمأنينة وأمان إذ « لا أمن لهم في أموالهم ولا في حريمهم ولا أبنائهم » « 2 » . ويصف لنا الحالة النفسية التي بلغت حدا من التدهور والإحباط من خلال الحوار الذي أجراه مع زعيم الطوائف الإسلامية في صقلية القائد أبو القاسم بن حمود حيث أبدى فيه هذا الزعيم ما كان يشعر به مسلمو الجزيرة من إحباط بلغ به إلى حد مخاطبة ابن جبير بقوله : « كنت أود لو أباع أنا وأهل بيتي ، فلعلّ البيع كان يخلصنا مما نحن فيه » ، وعلق ابن جبير على ذلك بقوله أنه « أظهر لنا من باطن حاله وبواطن أحوال هذه الجزيرة مع أعدائهم ما يبكي العيون دما » « 3 » ، الأمر الذي يعكس الأحوال السيئة التي بلغها مسلمو هذه المنطقة حتى أن العديد منهم قد تحول إلى العبودية والرق « 4 » . وبلغ سوء الحال بالبعض أن يتصل بأحد الحجاج ويعرض عليه ابنته الصغيرة لكي يتزوجها أو يزوجها لمن يشاء بهدف التخلص من الأوضاع المنحطة التي كان يعيشها المسلمون في هذه الجزيرة والالتحاق بأرض الإسلام « 5 » . بينما بلغ اليأس بالبعض الآخر إلى الارتداد عن الإسلام واعتناق النصرانية . والأدهى من ذلك أن نبذ الإسلام كان أحيانا من نصيب فقهاء لهم سمعة وباع طويل مثل الفقيه ابن زرعة الذي أدى به ضغوط العمال إلى اعتناق النصرانية ، ونبغ في حفظ الإنجيل وقراءة تاريخ المسيحية وشرائعها ، بل أصبح في عداد القسيسين الذين يستفتون في الأحكام النصرانية ، وكان إذا طرح عليه حكم يهم المسلمين يستفتى فيه « 6 » ، ولم يتورع عن تحويل مسجد إلى كنيسة . وكان التخوف من التنصر يطال حتى أفراد العائلة ، فإذا وقع شجار بين الأب والابن أو الأم مع البنت وأدى ذلك إلى غضب الوالدين ، فإن المغضوب عليهما يقصدان الكنيسة فيتنصران ، وهذه ظاهرة خطيرة لفتت انتباه ابن جبير ، فعبّر عن تخوفه العميق بناء على ما حدث في جزيرة أقريطش التي أخذت ملكتها تستدرج المسلمين حتى اضطروا للتنصر عن آخرهم . ويعبّر ابن جبير عن تخوفه من أن زعيم الطائفة الإسلامية لو تنصّر لتبعه كل من في الجزيرة ، لكن يبدو لحسن الطالع أنه كان قوي الإيمان « 7 » . ولا يخامرنا شك في أن هذه الوضعية السيئة التي كان يعيشها مسلمو صقلية والتخوف من تنصرهم كان وراء الفتاوى التي صدرت عن الفقهاء بضرورة ترك دار الحرب التي تندرج ضمن مجالها صقلية والهجرة إلى " دار الإسلام " نتيجة ظهور ما سماه الفقهاء بموالاة النصرانية التي بدأت في المائة الخامسة وما بعدها « وقت استيلاء ملاعين النصارى دمرهم الله على جزيرة صقلية وبعض كور الأندلس » « 8 » ، وهكذا لعبت الفتاوى الفقهية دورا في تحريض « المقيمين بين النصارى الحربيين » على ضرورة الالتحاق بأرض الإسلام ، وفي هذا السياق أفتى الفقهاء بمنع السفر إلى صقلية باعتبارها " دار كفر " ، وبرروا ذلك
--> ( 1 ) نفسه ، ص 269 . ( 2 ) رحلة ، ص 273 . ( 3 ) نفسه ، ص 280 . ( 4 ) أنظر ما ذكره الفتى الذي التقى بابن جبير حين خاطبه بقوله أنهم « معتقلون في ملكية كافر بالله ، قد وضع في أعناقنا ربقة الرق » الرحلة ، ص 268 . ( 5 ) نفسه ، ص 281 . ( 6 ) هذا ما يفسر ما ورد عند الونشريسي من ضرورة أن يكون القاضي على العدالة ، أنظر : المعيار ، ج 10 ، ص 107 . ( 7 ) رحلة ، ص 280 . ( 8 ) المعيار ، ج 2 ، ص 125 .