نخبة من الأكاديميين
102
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
التي تدفقت على بلادنا على مدى القرون التالية ، التي كان عدد كبير منها بقصد التجسس ومعرفة مواطن الضعف ، وكيفية تحقيق أهداف المشروعات الصليبية المتأخرة ، فقد شهدت الفترة ما بين سنة 1300 م وسنة 1640 م عددًا كبيرًا من الرحلات إلى مصر والأراضي المقدسة . إذ إن ضياع عكا ، آخر موطئ لأقدام الصليبيين في فلسطين وبلاد الشام ، أهاج موجة أخرى من الحماسة الصليبية ، عبرت عن نفسها من خلال الحملات الصليبية سنة 1309 م وسنة 1320 م ، كما تجلت في تلك الغارة الصليبية التي شنها " بطرس لوزنيان " ملك قبرص الصليبي على الإسكندرية ونهبها سنة 1365 م . وظلت تلك الروح سائدة حتى أواخر العصور الوسطى . وقد حملت كتب الرحالة الأوروبيين الذين زاروا مصر والأماكن المقدسة في تلك الفترة التي أعقبت تحرير عكا من الفرنج الصليبيين ، كثيراً من مظاهر العداء والكراهية ضد الإسلام والمسلمين ؛ وقد كانت الأسباب التي أعادت أوروبا إلى مواقفها الهيستيرية من المسلمين في القرن الرابع عشر مرتبطة بالخارج وبالداخل الأوروبي على السواء . وعلى الرغم من أن القرن الثالث عشر كان قد شهد قدرًا من الترحيب بالفلسفة الإسلامية ، فإن القرن الرابع عشر شهد تراجعًا واضحًا عن هذا الموقف . ولم يكن هناك أحد في الغرب الأوروبي آنذاك راغبًا في أن يتعلم شيئًا من المسلمين ، وسادت مشاعر الكراهية للأجانب في أوروبا بصورة متصاعدة بسبب سقوط عكا أواخر القرن الثالث عشر ونهاية الوجود الصليبي على الأرض العربية من ناحية ، وقيام دولة سلاطين المماليك قوة إقليمية كبرى في المنطقة من ناحية أخرى . أما بالنسبة إلى الأوروبيين الذين عانوا وطأة الكنيسة الكاثوليكية والحملات « الصليبية » التي جردتها البابوية ضد خصومها داخل أوروبا نفسها ، فقد صار اسم الفيلسوف المسلم « ابن رشد » مرادفًا للكفر . وعلى الرغم من أن تأثير ابن رشد « الشارح الأعظم » لأرسطو على الفلسفة الأوروبية في العصور الوسطى كان كبيرًا بحيث تتلمذ على يديه " توماس اكويناس " ( توما الأكويني ) ، فإن أتباع هذا الأخير رأوا أن مجد توماس اكويناس لا يتمثل في أنه تعلم على يد ابن رشد ، وإنما يتمثل في أنه تغلب عليه في فلسفته . لقد كان هذا الموقف بمثابة « نصف الحقيقة » من ناحية ، ولكنه كان مؤشرًا إلى ما كان عليه الحال في أوروبا وكراهية المسلمين من ناحية أخرى . ويرى سوذرن أن هذه كانت علامات عصر جديد في أوروبا الغربية ؛ فقد أدرك الأوروبيون أنه لا يوجد لهم حلفاء في الخارج ( بعد فشل سعيهم للتحالف مع المغول وتحول هؤلاء إلى الإسلام ، وبعد اكتشافهم زيف أسطورة " يوحنا القس " Prester John ، الذي صورته الأسطورة ملكًا تقع مملكته عند نهاية الأرض حسبما تصورها الأوروبيون قرب الحبشة أو أقرب إلى الهند ، وسوف يخرج لكي يهزم المسلمين ) ، كما تفشت الخلافات العميقة بين القوى السياسية الأوروبية ، ومن بينها البابوية التي عانت صعوبات متزايدة في السيطرة على الفكر والثقافة والدين والحياة الأوروبية ، وأظهر الأوروبيون قدرًا كبيرًا من اللامبالاة تجاه أعدائهم في الخارج على الرغم من إحساسهم بخطر أولئك الأعداء ، لا سيما الإسلام ، عدوهم الأكبر بطبيعة الحال . والحقيقة أن الزعماء الأوروبيون في القرن الرابع عشر لم يكونوا