نخبة من الأكاديميين
103
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
متحمسين لشن حروب جديدة ضد المسلمين . وكان هذا الموقف راجعًا في جانب منه إلى الهزائم الثقيلة التي أنزلها المماليك بالفرنج المستوطنين ، وبالحملات الصليبية المتأخرة القادمة من الغرب في النصف الثاني من القرن الثالث عشر . ولم يكن الناس في أوروبا آنذاك مستعدين لمزيد من المغامرات لصالح البابوية لأن مشكلات الحكم ، والاقتصاد ، والثقافة الأوروبية امتصت طاقاتهم ، وفي حين استنفدت « الحروب الصليبية الأوروبية » ، التي شنتها البابوية على أعدائها في أوروبا ما تبقى من هذه الطاقة . لقد كانت الحروب الصليبية ميراثًا ورثته أوروبا في القرون : الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر عن موجة الحماسة الدينية ، وعن التعصب الأخرق الذي اتسمت به زعامة البابوية في القرن الحادي عشر وما تلاه . ومن ناحية أخرى كانت الحملات الصليبية مغامرات عسكرية وسياسية كان لها تأثير عميق وسيئ على الحياة الأوروبية في العصور الوسطى ؛ إذ انها أضفت مسحة أخلاقية ودينية على الاتحاد بين القوة العسكرية والتدين العاطفي . . . ولكن أخطر ما خلفته الحروب الصليبية في أوروبا الغربية كان ذلك الدرس الذي وعاه الأوروبيون جيدًا ؛ ومؤداه أن القتل والتدمير في سبيل الديانة المسيحية حق . إلا أن المجتمع الأوروبي ما لبث أن عانى وبمدى طويل من هذه العقيدة التي جعلت من استخدام القوة العسكرية باسم القيم الدينية أمرًا مشروعًا . وقد تم تحويل هذا النموذج إلى التزاوج بين القوة والقيم والمثل العليا ؛ مثل رسالة الرجل الأبيض ، أو الديموقراطية أو غيرها . هذا الإيمان بحق القتل والتدمير في خدمة المثل العليا التي تحددها الدول وفق مصالحها الحقيقية البعيدة عن هذه المثل العليا ، ما يزال قائما بكل قوته حتى الآن في النموذج الأمريكي وما يرتكبه من شرور في العالم باسم الديموقراطية ، أو مكافحة الإرهاب . ومن ناحية أخرى ، كانت هزيمة المشروع الصليبي من الأسباب الرئيسية التي جعلت أوروبا تشيح بوجهها عن العالم الإسلامي ، وتكبت التطلعات المعرفية البازغة . ومثال ذلك ما حدث في مجمع فيينا الكنسي سنة 1312 م ، عندما قرر المجمع أن تتم دراسة اللغتان العربية ، والعبرية ، والسريانية في كل من باريس ، وأوكسفورد ، وبولونيا وأفينون ، وسلامنكا . ولكن تلك الفكرة لم تلبث أن تلاشت دون أن يلاحظ أحد شيئًا ؛ إذ لم تتوافر الأموال أو القوة البشرية لتحويل هذه القرارات إلى واقع . واستمرت المواقف الهيستيرية الصارخة سائدة طوال القرن الرابع عشر لا سيما وأن هذا القرن شهد نمو القوة العثمانية التي شكلت تهديدًا جديدًا لأوروبا على جبهة جديدة . ومن ناحية ثانية انتهت الحملات الصليبية في القرن الرابع عشر ضد العثمانيين بمجموعة من الكوارث ؛ وكانت حملة نيقو بوليس Nicopolis سنة 1396 م قد انتهت بذبح الآلاف من الصليبيين الأوروبيين على أيدي العثمانيين . لقد استمر التيار العدائي التحتى ضد « الآخر » المسلم عمومًا في أوروبا طوال القرن الرابع عشر ، وقد تجلى بطريقة أكثر شؤمًا في أثناء سنة 1321 م عندما سرت شائعات في أوروبا ، وفي شمال فرنسا بصفة خاصة ، مفادها أن هناك مؤامرة كبرى حيكت بين المجذومين واليهود في أوروبا وبين زعماء المسلمين في إسبانيا ، وقوامها أن يقدم المسلمون المال والسموم للمجذومين واليهود لكي يلوثوا الآبار